يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسعى، من خلال اتفاقه المفاجئ مع روسيا بشأن الديزل ودعوته إلى انتخاب بديل لنظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إلى تحميل كييف مسؤولية الإحباطات المتزايدة التي ترافق حملته قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.
وليست الانتقادات الحادة التي وجهها ترامب إلى نظيره الأوكراني الأولى من نوعها؛ إذ سبق أن هاجمه خلال لقائهما المتوتر أمام الكاميرات في المكتب البيضاوي في فبراير/شباط 2025، بحسب "فرانس برس".
لكن الرئيس الأمريكي كان آنذاك في أوج الزخم السياسي الذي رافق عودته إلى البيت الأبيض، بينما يشهد وضعه السياسي اليوم تراجعًا.
وتشير الغالبية الساحقة من استطلاعات الرأي إلى احتمال فقدان الجمهوريين بقيادة ترامب السيطرة على الكونجرس في انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، وسط تزايد استياء الأمريكيين من ارتفاع الأسعار، ولا سيما أسعار الوقود.
وأظهر استطلاع للرأي، أجرته وكالة أسوشيتد برس وجامعة شيكاغو ونُشر في الأول من أكتوبر/تشرين الأول، أن 65% من البالغين الأمريكيين يحمّلون البيت الأبيض مسؤولية ارتفاع تكاليف المعيشة، خصوصًا بسبب سياسات الرسوم الجمركية التي ينتهجها ترامب وحربه الجديدة ضد إيران.
ويساعد القلق من تأثير الأوضاع المعيشية على خيارات الناخبين الأمريكيين في تفسير إعلان ترامب، الجمعة، رفع بعض العقوبات للسماح باستيراد الديزل الروسي، في خطوة يقول إنها ستسهم في خفض الأسعار.
وقال أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأمريكية غاريت مارتن، لوكالة فرانس برس: "أعتقد أن الرئيس ترامب، رغم تأكيده عكس ذلك، يدرك تمامًا أن الأمريكيين يحمّلونه مسؤولية الارتفاع الكبير في الأسعار، بما في ذلك أسعار الديزل".
وأضاف مارتن: "هو يعلم أن أمامه أسابيع قليلة فقط لمحاولة تغيير السردية المرتبطة بارتفاع هذه التكاليف. لذلك أعتقد أن هذا هو العامل الرئيس وراء توقيت هذه الخطوة".
ويتوافق هذا التقييم مع تصريحات وزير الدفاع البريطاني ويس ستريتينغ، خلال مقابلة أجراها الأحد مع شبكة "سكاي نيوز".
وقال ستريتينغ: "لنكن صريحين، فانتخابات التجديد النصفي تقترب، وكلفة المعيشة تمثل قضية مهمة. ولا شك في أن الرئيس ترامب يواجه الضغوط نفسها التي يواجهها كثير من القادة الساعين إلى تخفيف أعباء المعيشة وخفض أسعار الطاقة".
وأثار التقارب الأمريكي مع روسيا اعتراضات داخل الحزب الجمهوري نفسه؛ إذ يمثل تراجعًا عن قانون وقّعه ترامب لتشديد القيود المفروضة على موسكو.
كما أدان الرئيس الأمريكي، البالغ من العمر 80 عامًا، مرارًا الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية، وقال بحدة للصحافيين، السبت، إن زيلينسكي "من الأفضل له أن يوقف تلك الضربات فورًا".
في المقابل، لم يعلّق ترامب على تكثيف روسيا ضرباتها على الأراضي الأوكرانية خلال الأشهر الأخيرة، وهي هجمات أسفرت عن ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين.
وقال المحلل في شركة "أغين كابيتال" جون كيلدوف، لوكالة فرانس برس: "تتمثل استراتيجية ترامب جزئيًا في نقل اللوم والمسؤولية عن ارتفاع أسعار الديزل في محطات الوقود إلى الهجمات التي تشنها أوكرانيا وروسيا، بدلًا من إرجاعها إلى حقيقة أن كميات محدودة من المنتجات المكررة تعبر حاليًا مضيق هرمز".
ويشكك كيلدوف، شأنه شأن عدد من الخبراء، في قدرة الاتفاق الأخير مع موسكو على إحداث تغيير جذري في أسواق الطاقة.
وقال المحلل في شركة "ليبو أويل أسوشيتس" آندي ليبو، لوكالة فرانس برس: "إن كمية النفط التي تعهدت روسيا بطرحها في أكتوبر/تشرين الأول ضئيلة جدًا مقارنة بالطلب العالمي".
وتستهلك الولايات المتحدة نحو 3.9 مليون برميل من الديزل يوميًا، بينما يشمل الاتفاق مع موسكو في مرحلته الأولى 2.22 مليون برميل فقط، أي ما يزيد قليلًا على استهلاك الولايات المتحدة لنصف يوم.
واتهم ترامب، الذي أبدى مؤخرًا استياءه من عدم اختياره لنيل جائزة نوبل للسلام، نظيره الأوكراني زيلينسكي بأنه العقبة الرئيسة أمام التوصل إلى تسوية سلمية للنزاع.
وقال ترامب، السبت: "روسيا ترغب في التوصل إلى اتفاق... لكن زيلينسكي، ولسبب ما، لا يريد التوصل إلى اتفاق".
وانتقد ترامب أيضًا الرئيس الأوكراني لعدم إجرائه انتخابات منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
وقال ترامب: "أعتقد أنه كان ينبغي له إجراء انتخابات، وكان بإمكانه تسوية هذه القضية مرات عديدة"، في إحدى أشد هجماته على الرئيس الأوكراني الذي انتُخب عام 2019.
كما أكد ترامب أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الموجود في السلطة منذ عام 1999، "يريد بشدة" التوصل إلى تسوية للنزاع.