بث تجريبي

دمشق وحزب الله.. هل فتحت تركيا قناة سرية بينهما؟

أعاد تقرير لوكالة «رويترز» فتح ملف الاتصالات بين دمشق وحزب الله، بعد حديثه عن محادثات سرية قيل إنها جرت في تركيا خلال سبتمبر/أيلول الماضي، بهدف احتواء التوترات الأمنية بين الجانبين.

وفي المقابل، نفت دمشق وأنقرة عقد أي لقاء من هذا النوع، ما يضع روايتين متعارضتين أمام تساؤل أوسع بشأن طبيعة الاتصالات الأمنية غير المعلنة المرتبطة بالملف السوري.

روايتان في مواجهة واحدة

قالت «رويترز»، في تقرير نشرته في الأول من أكتوبر/تشرين الأول، إن مسؤولين من الحكومة السورية وممثلين عن حزب الله عقدوا محادثات سرية في تركيا خلال سبتمبر/أيلول، في محاولة لاحتواء التوترات الأمنية بين الطرفين.

لكن الرواية قوبلت بنفي رسمي من إدارة الإعلام الخارجي في وزارة الإعلام السورية، التي أكدت أن الاجتماع المذكور لم يُعقد، ووصفت المعلومات المتداولة بأنها زائفة.

وبالتزامن، نفى مركز مكافحة التضليل التابع لدائرة الاتصال في الرئاسة التركية ما ورد بشأن استضافة أجهزة الاستخبارات التركية اجتماعًا بين مسؤولين سوريين وحزب الله، مؤكدًا أن الادعاءات المتعلقة بتاريخ اللقاء ومكانه ومضمونه والمشاركين فيه «لا أساس لها من الصحة إطلاقًا».

في المقابل، قالت «رويترز» إنها اعتمدت في تقريرها على ستة مصادر مطلعة على المحادثات، بينهم مسؤولان سوريان، ومسؤول أمريكي، ومصدر أمني لبناني رفيع المستوى قريب من حزب الله.

وبحسب الوكالة، تحدثت المصادر عن لقاء مباشر واحد على الأقل خلال سبتمبر/أيلول، جمع مسؤولين من أجهزة الاستخبارات ووزارة الخارجية السورية مع ممثلين عن حزب الله، بدعوة من أجهزة أمنية واستخبارية تركية.

وبذلك، لا يقتصر الأمر على الحديث عن اجتماع محتمل، بل يدور حول روايتين متناقضتين؛ الأولى رسمية تنفي وقوعه بالكامل، والثانية صحفية تؤكد حدوثه وتقدم تفاصيل عن أهدافه والأطراف المشاركة فيه.

ماذا نوقش خلف الأبواب المغلقة؟

بحسب المصادر التي نقلت عنها «رويترز»، فإن اللقاء، إذا كان قد وقع وفق هذه الرواية، لم يكن سياسيًا بالمعنى التقليدي، بل ركز بصورة أساسية على ملفات أمنية أصبحت محورًا للتوتر بين دمشق وحزب الله منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024.

وقالت المصادر إن النقاش تناول مخاوف أمنية متبادلة، ومحاولة منع انتقال التوتر بين سوريا ولبنان إلى مواجهة أوسع.

ونقلت الوكالة عن مسؤول سوري أن الطرفين اتفقا، وفق روايته، على عدم وجود عداء متبادل، فيما أكدت دمشق لحزب الله أنها لا تعتزم التدخل عسكريًا في لبنان بهدف نزع سلاحه.

في المقابل، طلب مسؤولون سوريون من حزب الله، بحسب الرواية نفسها، المساعدة في وقف عمليات تهريب الأسلحة عبر الحدود، والعمل على تفكيك ما وصفته المصادر بخلايا نائمة تابعة للحزب داخل سوريا، خصوصًا في المناطق الجنوبية.

أما حزب الله، فبحسب مصدر أمني لبناني قريب منه نقلت عنه «رويترز»، فقد كان معنيًا بصورة أساسية بحماية حدوده ومواقعه داخل لبنان من احتمال تعرضه لهجوم سوري.

وقال المصدر إن الطرفين أحرزا «تقدمًا كبيرًا» في الملفات الأمنية، لكنه أكد في الوقت نفسه عدم التوصل إلى اتفاق نهائي.

وبحسب الرواية المنشورة، فإن الحديث لا يدور عن اتفاق سياسي شامل أو تسوية بين دمشق وحزب الله، وإنما عن محاولة لاحتواء ملفات أمنية محددة، من دون إعلان رسمي عن نتائج المحادثات.

من خصومة ما بعد الأسد إلى البحث عن قنوات اتصال

لفهم حساسية هذه الرواية، تعود العلاقة بين دمشق وحزب الله إلى سنوات الحرب السورية، عندما كان الحزب أحد أبرز حلفاء النظام السابق، وشارك مقاتلوه في عمليات عسكرية إلى جانب قوات بشار الأسد.

ومع سقوط النظام وصعود السلطة السورية الجديدة، تغيرت طبيعة العلاقة بصورة جذرية، وانتقل الطرفان من موقع الحليفين خلال الحرب إلى طرفين تجمعهما ملفات أمنية شديدة الحساسية.

وبحسب «رويترز»، تصاعد التوتر بعد انتقال السلطة في دمشق، وسط اتهامات سورية للحزب باستخدام الأراضي السورية في عمليات نقل الأسلحة، بينما أصبحت الحدود السورية-اللبنانية من أكثر النقاط حساسية في العلاقة الجديدة.

وفي هذا السياق، فإن فتح قناة اتصال مباشرة بين الطرفين، إذا ثبت حدوثه، سيكون مؤشرًا على أن الخصومة لم تمنع وجود حاجة أمنية متبادلة إلى التواصل.

وكانت دمشق قد أبدت، قبل الرواية الحالية، انفتاحًا على التواصل مع حزب الله. ففي يوليو/تموز الماضي، قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن دمشق منفتحة على عقد لقاء مع الحزب.

وفي أغسطس/آب، أعلن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم أن الحزب لا يمانع لقاء القيادة السورية، فيما بدأت الاتصالات عبر وساطة تركية قبل نحو شهرين من الاجتماع المزعوم.

لا اتفاق نهائيًا.. ولا إعلان متوقع

لا تشير الرواية المنشورة إلى انتهاء المحادثات بصفقة سياسية أو تفاهم شامل.

فالمصادر تحدثت عن إحراز تقدم في بعض القضايا الأمنية، لكنها أكدت عدم التوصل إلى اتفاق نهائي، كما لم تكن هناك خطة لإعلان الاجتماع أو نشر نتائجه رسميًا.

ولم تتمكن الوكالة من تحديد مكان الاجتماع داخل تركيا أو مدة انعقاده، كما لم تؤكد ما إذا كانت لقاءات أخرى عقدت قبل الاجتماع أو بعده.

وتضع هذه التفاصيل حدودًا لما يمكن استخلاصه من التقرير؛ فالحديث عن لقاء لا يعني بالضرورة وجود تسوية، كما أن الحديث عن تقدم أمني لا يعني انتهاء الخلافات.

بل إن طبيعة المطالب المنسوبة إلى الطرفين تكشف استمرار التباعد بينهما؛ إذ تريد دمشق وقف تهريب السلاح وتفكيك الخلايا التي تقول إنها مرتبطة بالحزب داخل سوريا، بينما يسعى حزب الله، وفق المصدر اللبناني، إلى ضمان عدم تعرضه لهجوم سوري داخل لبنان.

وبذلك تبدو المحادثات، وفق الرواية المنشورة، أقرب إلى محاولة لإدارة الخلاف ومنع تحوله إلى مواجهة، أكثر من كونها مصالحة سياسية مكتملة.

بين التسريب والنفي.. أين تقف الحقيقة؟

لا تسمح المعطيات المتاحة حاليًا بحسم ما إذا كان الاجتماع قد وقع فعلًا.

فمن جهة، تقدم «رويترز» رواية مفصلة تنسبها إلى ستة مصادر مختلفة، بينهم أشخاص قالت إنهم مطلعون على المحادثات، وتعرض أسماء مؤسسات مشاركة وملفات نوقشت ومسارًا زمنيًا للاتصالات.

ومن جهة أخرى، نفت دمشق وأنقرة وقوع الاجتماع من أساسه، ولم تقدم أي منهما رواية بديلة لتفاصيل ما أوردته الوكالة.

كما لم تؤكد الأطراف الأخرى المعنية عقد الاجتماع علنًا.

ولهذا، فإن القضية لا تكشف فقط احتمال وجود قناة اتصال بين دمشق وحزب الله، وإنما تكشف أيضًا حجم الغموض المحيط بالملفات الأمنية في سوريا.

فالمرحلة الانتقالية تفرض على دمشق التعامل مع شبكة معقدة من القضايا، تشمل الحدود مع لبنان، وإرث العلاقة مع إيران وحزب الله، وتهريب السلاح، ونشاط الجماعات المسلحة، والتوازنات الإقليمية التي تحاول تركيا والولايات المتحدة ودول أخرى التأثير فيها.

وفي مثل هذه الملفات، قد لا تكون الاتصالات غير المعلنة استثناءً، لكن الإعلان عنها أو نفيها يرتبط بحسابات سياسية وأمنية دقيقة.

وبعيدًا عن ترجيح رواية على أخرى، يبقى السؤال الأساسي: هل توجد بالفعل قناة أمنية غير معلنة بين دمشق وحزب الله، أم أن تقرير «رويترز» وصف اتصالات لم تصل إلى مستوى الاجتماع الذي تنفيه الحكومتان؟

المعطيات المنشورة لا تقدم إجابة قاطعة عن هذا السؤال، لكنّها تظهر أن العلاقة بين دمشق وحزب الله لم تعد تُدار بالطريقة التي كانت عليها خلال عهد الأسد، وأن الملفات الحدودية والأمنية أصبحت جزءًا من معادلة جديدة تتداخل فيها دمشق وبيروت وأنقرة وطهران وواشنطن.

وفي حال تأكد لاحقًا عقد اللقاء، فإن أهميته لن ترتبط بمجرد اجتماع بين طرفين متخاصمين، وإنما بطبيعة الملفات التي دفعتهما إلى الجلوس إلى الطاولة، والدور الذي لعبته تركيا في فتح هذه القناة، ومدى قدرة الطرفين على تحويل التفاهمات الأمنية المحدودة إلى آلية تمنع التصعيد.

أما إذا استمر النفي الرسمي من دون ظهور أدلة مستقلة، فستبقى القضية مثالًا على صعوبة الفصل بين الاتصالات الفعلية والتسريبات السياسية في ملف سوري شديد الحساسية، حيث تجري بعض التفاهمات المحتملة بعيدًا عن العلن، بينما تصل تفاصيلها إلى الجمهور عبر مصادر مجهلة وروايات متعارضة.

قد يهمك