خلص تقييم بحثي حديث إلى أن المخططين العسكريين الأمريكيين يواجهون معضلة متزايدة بشأن شكل العمليات العسكرية المستقبلية في الشرق الأوسط، في ظل تضرر عدد من القواعد الأمريكية بالمنطقة وتطور قدرات الخصوم الصاروخية والطائرات المسيّرة.
وبحسب التقييم، الذي أعده مركز أبحاث تابع لمنظمة «أولويات الدفاع» ومقرها واشنطن، فإن الولايات المتحدة تواجه خيارين رئيسيين: إعادة بناء وتحصين القواعد المتضررة، رغم تراجع أهميتها الاستراتيجية، أو تقليص الاعتماد عليها والاتجاه بصورة أكبر نحو الأسلحة الدقيقة بعيدة المدى والقوة البحرية.
وخلال الصراع الأمريكي الإيراني الذي بدأ في أبريل واستمر نحو أربعة أشهر، تعرضت منشآت أمريكية في المنطقة لهجمات إيرانية متكررة، أدت إلى تضرر أو تدمير طائرات ورادارات ومعدات اتصالات ومئات المباني والمنشآت.
تراجع أهمية القواعد الأمريكية
وأشار التقييم إلى أن قرب القواعد العسكرية الأمريكية من مناطق التوتر كان لعقود يمثل ميزة استراتيجية، إذ يسمح للطائرات بتنفيذ طلعات جوية أكثر، ويقلص خطوط الإمداد، ويوفر نقاط انطلاق للقوات الأمريكية خلال الأزمات.
ولا تقتصر أهمية هذه القواعد على تنفيذ الضربات العسكرية، إذ تؤدي أيضًا أدوارًا في دعم الحلفاء، والاستجابة السريعة للأزمات، وتوفير البنية التحتية اللازمة للعمليات الجوية واللوجستية.
لكن هذه المزايا باتت تواجه تحديات متزايدة مع امتلاك خصوم الولايات المتحدة، ومن بينهم إيران، صواريخ دقيقة وطائرات مسيّرة منخفضة التكلفة نسبيًا، وهو ما جعل القواعد الثابتة أهدافًا أكثر عرضة للهجمات.
ويرى التقييم أن التطور المتسارع في الأسلحة الدقيقة لا يكشف فقط نقاط ضعف القواعد الأمريكية، بل يطرح أيضًا تساؤلات حول مدى جدوى الاعتماد عليها في الحروب المستقبلية بالمنطقة.
القوة البحرية والقاذفات بعيدة المدى
وخلص التحليل إلى أن العمليات العسكرية ضد إيران أظهرت إمكانية الاعتماد بدرجة أكبر على مزيج من القاذفات بعيدة المدى التي تنطلق من الولايات المتحدة وبريطانيا، والطائرات العاملة من حاملات الطائرات، إلى جانب الصواريخ التي تطلقها القطع البحرية.
ووفق هذا التصور، يمكن للبنتاجون تقليل اعتماده على المقاتلات التي تحتاج إلى قواعد جوية إقليمية، وكذلك على أنظمة الصواريخ الأرضية قصيرة المدى، مقابل تعزيز قدرات الضربات بعيدة المدى التي تنفذها القوات البحرية والجوية.
ويشير التقييم إلى أن هذا النهج قد يقلل من تعرض القوات الأمريكية للهجمات على القواعد، مع الحفاظ على قدرات نارية كبيرة، لكنه يظل خيارًا محدودًا بسبب الضغوط التي يواجهها الأسطول الأمريكي من حاملات الطائرات.
وتشمل هذه الضغوط ارتفاع وتيرة الانتشار العسكري وتأخر برامج بناء السفن، ما يثير تساؤلات حول قدرة البحرية الأمريكية على توفير عدد كافٍ من حاملات الطائرات للقيام بالدور الذي تؤديه شبكة القواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة.
أزمة في أحواض بناء السفن
وتواجه الولايات المتحدة، في الوقت نفسه، تحديات مرتبطة بالبنية التحتية لصناعة السفن الحربية، إذ تمتلك أربعة أحواض رئيسية لبناء السفن يعود تاريخ إنشائها إلى القرنين التاسع عشر والعشرين.
ووفقًا لموقع قيادة الأنظمة البحرية الأمريكية، تعاني هذه المنشآت من مشكلات تقادم كبيرة، ما يحد من كفاءتها في صيانة وتحديث حاملات الطائرات والغواصات، ولا سيما السفن التي تعمل بالطاقة النووية.
وفي محاولة لمعالجة جانب من هذه الأزمة، وقع الرئيس الأمريكي الشهر الماضي مذكرة تسمح لشركات بناء السفن الأجنبية بالمشاركة في بناء سفن للبحرية الأمريكية خارج الولايات المتحدة، في خطوة تهدف إلى معالجة التأخر في الإنتاج المحلي وتسريع توسيع الأسطول البحري.
القواعد لا تزال ضرورية
ورغم الاتجاه نحو الضربات بعيدة المدى، لا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن القواعد المتقدمة، إذ تظل هذه المنشآت ضرورية لتقديم الدعم اللوجستي للطائرات والسفن، بما في ذلك توفير خدمات الصيانة والإمداد وناقلات الوقود الجوي.
وتشكل ناقلات الوقود عنصرًا أساسيًا في تنفيذ الضربات بعيدة المدى، ما يعني أن العمليات المنطلقة من آلاف الأميال بعيدًا عن مناطق القتال لا تلغي الحاجة إلى شبكة دعم عسكرية في المنطقة.
وهنا تبرز المعضلة أمام المخططين العسكريين الأمريكيين: هل تستثمر واشنطن في إعادة بناء وتحصين قواعد تعرضت لأضرار، رغم احتمال تراجع دورها في الاستراتيجية العسكرية المستقبلية، أم تحول الموارد بصورة أكبر نحو القدرات البحرية والجوية بعيدة المدى؟
وتزداد صعوبة القرار مع احتمال ظهور خصوم جدد يمتلكون ترسانات صاروخية وطائرات مسيّرة قادرة على تهديد القواعد الأمريكية، خصوصًا إذا تمكن هؤلاء الخصوم من زيادة مخزوناتهم العسكرية بتكاليف أقل بكثير من تكلفة بناء أنظمة الدفاع الأمريكية وتحصين المنشآت.