بث تجريبي

قمة بريكس 2026.. تحالفات متشابكة وتنافس صيني-هندي على قيادة الجنوب العالمي

تستضيف العاصمة الهندية نيودلهي قمة تكتل بريكس لعام 2026، في ظل مرحلة دولية شديدة التعقيد تتداخل فيها الحروب والتوترات التجارية والصراعات الجيوسياسية، بينما يبرز داخل التكتل تنافس غير معلن بين الصين والهند بشأن مستقبل بريكس ودوره في النظام الدولي.

وتتزامن القمة مع تصاعد النقاش حول طبيعة الدور الذي يمكن أن يؤديه بريكس في ظل التحولات التي يشهدها العالم، ولا سيما التنافس بين القوى الكبرى والصراع على النفوذ داخل دول الجنوب العالمي. وبينما تنظر الصين إلى التكتل باعتباره منصة لتعزيز نفوذ الدول غير الغربية ومواجهة الهيمنة الأمريكية، تسعى الهند إلى الإبقاء عليه إطارًا جامعًا يمكنه بناء جسور مع الغرب دون التحول إلى تكتل مناهض له.

انقسام حول مستقبل بريكس

توضح صحيفة «نيويورك تايمز» أن الخلاف بين بكين ونيودلهي ينعكس على رؤيتيهما لمستقبل بريكس، إذ دفعت الصين خلال السنوات الماضية باتجاه توسيع عضوية التكتل بما يعزز وزنه في مواجهة النفوذ الأمريكي، بينما تتعامل الهند بحذر مع عملية التوسع، مفضلة الحفاظ على بريكس كمنصة تجمع دولًا ذات مواقف ومصالح مختلفة.

ويضم التكتل في شكله الحالي 11 دولة، تمثل نحو نصف سكان العالم، إلى جانب امتلاكها حصة كبيرة من موارد الطاقة والناتج الاقتصادي العالمي. إلا أن هذا التوسع أدى أيضًا إلى زيادة التباينات بين أعضائه، خصوصًا مع وجود قوى إقليمية تتنافس فيما بينها، مثل الصين والهند، وإيران والسعودية.

تقارب صيني-هندي بعد سنوات من التوتر

يحظى حضور الرئيس الصيني شي جين بينج في نيودلهي بأهمية خاصة، باعتباره أول زيارة له إلى الهند منذ سبع سنوات، في مؤشر على تحسن نسبي في العلاقات بين البلدين بعد سنوات من التوتر.

وكانت العلاقات الصينية-الهندية قد شهدت تدهورًا حادًا عام 2020، عقب اشتباكات حدودية دامية في منطقة متنازع عليها، قبل أن تمتد تداعيات الخلاف إلى مجالات عدة، شملت الرحلات الجوية والصحفيين والاستثمارات، إلى جانب حظر الهند عددًا من التطبيقات الصينية، من بينها «تيك توك»، بالتزامن مع تعزيز الصين وجودها العسكري والبنية التحتية على الحدود المشتركة.

وبحسب «نيويورك تايمز»، بدأ مسار التهدئة خلال قمة بريكس التي استضافتها روسيا عام 2024، قبل أن تفرض التطورات الاقتصادية والتجارية العالمية عوامل إضافية دفعت البلدين إلى البحث عن مساحة مشتركة، خصوصًا في ظل الرسوم الجمركية الأمريكية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب والاضطرابات التي أصابت حركة التجارة الدولية.

وترى الباحثة يون صن، من مركز ستيمسون في واشنطن، أن بكين تسعى إلى استعادة نفوذها في علاقاتها مع نيودلهي، خشية أن يؤدي استمرار التوتر إلى دفع الهند بصورة أكبر نحو الولايات المتحدة وتعزيز انخراطها في تحالف «كواد» الأمني.

في المقابل، ترى الباحثة تانفي مادان من مؤسسة بروكينجز أن التحسن في العلاقات لا يعني انتهاء الخلافات، معتبرة أن البلدين ينتقلان إلى مرحلة «إدارة التنافس» بدلًا من حله. كما تشير إلى أن حضور شي في نيودلهي يحمل رسالة أوسع مفادها أن الصين لا تزال قادرة على تقديم نفسها كشريك دبلوماسي مستقر في مواجهة الضغوط الأمريكية.

الهند تستفيد من رئاسة بريكس

وتتمتع الهند هذا العام بميزة استراتيجية تتمثل في توليها الرئاسة الدورية لبريكس، وهو ما يمنح رئيس الوزراء ناريندرا مودي مساحة واسعة للتأثير في أجندة القمة وتحديد أولوياتها ومخرجاتها.

وتظهر الرؤية الهندية في عدد من تفاصيل القمة، بدءًا من الشعار الرسمي الذي يضع الهند في قلب زهرة اللوتس، وصولًا إلى شعار «النمو العالمي الشامل»، الذي يعكس رغبة نيودلهي في تقديم نفسها باعتبارها قوة قادرة على الجمع بين دول الجنوب العالمي وشركائها الغربيين.

وتستند الهند في ذلك إلى تجربتها خلال رئاسة مجموعة العشرين عام 2023، عندما دفعت باتجاه توسيع التمثيل الدولي وإضافة الاتحاد الإفريقي، إلى جانب صياغة موقف ختامي بشأن الحرب الروسية-الأوكرانية تجنب الانحياز المباشر إلى أحد طرفي الصراع.

وعلى هامش قمة بريكس، عقد مودي لقاءً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بحث خلاله سبل رفع حجم التجارة الثنائية إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2030، إلى جانب تعزيز التعاون في مجالات الدفاع والطاقة والمعادن الحيوية، وفقًا لصحيفة «ذا هندو».

كما شدد مودي، خلال منتدى بريكس للأعمال، على أهمية حرية الملاحة البحرية وأمن الممرات التجارية الدولية وسلامة البحارة، في وقت التقى فيه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، الذي أشاد بدور الهند في قيادة التكتل.

وتوافق الجانبان على أهمية إصلاح المؤسسات الدولية ومجلس الأمن بما يعكس التحولات في موازين القوى العالمية، وهو ملف يمثل أحد المحاور الرئيسية في خطاب دول الجنوب العالمي.

ملفات خلافية تكشف تباينات الأعضاء

وتبرز الحرب الروسية-الأوكرانية كأحد أكثر الملفات حساسية داخل بريكس، إذ تحاول الهند الحفاظ على علاقاتها الوثيقة مع موسكو، خصوصًا في مجالي الطاقة والدفاع، بالتوازي مع تطوير شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن.

ولهذا تتبنى نيودلهي موقفًا يقوم على الدعوة إلى الحوار والتسوية، من دون الانخراط في موقف صريح يضعها في مواجهة روسيا أو الولايات المتحدة.

ويمثل انضمام إيران إلى بريكس الموسع تحديًا إضافيًا للتكتل، خصوصًا في ظل الحرب الدائرة في غرب آسيا. ففي حين تتبنى الصين وروسيا مواقف أكثر دعمًا لطهران في المحافل الدولية، تتعامل الهند والسعودية والإمارات مع الملف بدرجة أكبر من التحفظ، بما يعكس اتساع الفجوة بين مواقف أعضاء التكتل.

أما الملف المالي، فيتعلق بمحاولات تقليص الاعتماد على الدولار الأمريكي، خاصة بعد العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، والتي سلطت الضوء على المخاطر التي قد تواجه الدول المرتبطة بشكل كبير بالنظام المالي الغربي.

لكن الدبلوماسي الهندي المتقاعد محيش ساشديف يحذر من اختزال النقاش في فكرة مواجهة الدولار، موضحًا أن الهدف يتمثل بصورة أكبر في تقليل التعرض للضغوط السياسية والمالية، وليس بالضرورة استبدال النظام المالي العالمي القائم بالكامل.

رسائل مختلفة من منصة واحدة

وفي خطاب أمام رجال الأعمال المشاركين في القمة، حرص بوتين على التأكيد أن بريكس «ليس ضد أحد»، بل يعمل لخدمة مصالح أعضائه، معربًا عن استعداد موسكو لتعزيز التعاون مع مختلف دول العالم في مجالات البنية التحتية والممرات اللوجستية والذكاء الاصطناعي وغيرها من القطاعات.

بدورها، قدمت وكالة «شينخوا» الصينية الرسمية مشاركة شي جين بينج في قمة بريكس باعتبارها جزءًا من جهود بكين لتعزيز التضامن بين دول الجنوب العالمي، في امتداد للتحركات الصينية الأخيرة الهادفة إلى توسيع علاقاتها مع الدول النامية.

أما الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، فاستغل منصة القمة لتوجيه رسالة سياسية بشأن الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، مؤكدًا أن بلاده «لن تستسلم للتنمر»، في الوقت الذي أشاد فيه بمحادثاته مع مودي، معتبرًا إياها خطوة مهمة نحو تعزيز التعاون بين طهران ونيودلهي في مجالي الطاقة والتجارة.

وهكذا تكشف قمة بريكس 2026 عن مفارقة أساسية في مسار التكتل؛ فهو يتوسع من حيث العضوية والنفوذ، لكنه يزداد في الوقت ذاته تنوعًا وتباينًا في المصالح. وبينما تدفع الصين باتجاه بريكس أكثر حضورًا في مواجهة هيمنة النظام الدولي القائم، تسعى الهند إلى استخدام التكتل كمنصة متعددة الأطراف تمنحها هامشًا أوسع للمناورة بين الشرق والغرب.

وبين هذين المسارين، تبدو قدرة بريكس على الحفاظ على تماسكه مرتبطة بقدرته على إدارة الخلافات بين أعضائه، بدلًا من محاولة إخفائها، خصوصًا مع اتساع أجندته لتشمل قضايا الأمن والطاقة والتجارة والتمويل وإصلاح المؤسسات الدولية.

قد يهمك