توفي الملك هارالد الخامس، ملك النرويج، الجمعة، عن عمر ناهز 89 عامًا، في مستشفى جامعة أوسلو، بعد تدهور حالته الصحية إثر إصابته بعدوى بكتيرية في الدم. وأعلنت الأسرة الملكية أن الملك توفي بسلام في الساعة 6:35 صباحًا بالتوقيت المحلي، منهياً عهدًا استمر أكثر من 35 عامًا.
وبرحيل هارالد، تطوي النرويج صفحة أحد أطول العهود الملكية في تاريخها الحديث، إذ ارتبط اسمه بمرحلة شهدت تحديث المؤسسة الملكية وتعزيز قربها من المجتمع، بينما عُرف الملك بظهوره الإنساني في الأزمات ودفاعه عن التسامح والتنوع.
طفل الحرب
وُلد هارالد في 21 فبراير 1937، وكان أول أمير نرويجي يولد على الأراضي النرويجية منذ قرون. ولم تكد طفولته تبدأ حتى اندلعت الحرب العالمية الثانية، إذ اجتاحت القوات الألمانية النرويج عام 1940، ما دفع والدته الأميرة مارثا إلى الفرار به وشقيقتيه إلى السويد، ثم إلى الولايات المتحدة، بينما توجه والده وجده إلى لندن لمواصلة العمل من المنفى.
وأمضى هارالد سنوات من طفولته في الولايات المتحدة، حيث أقام مع أسرته في محيط واشنطن ونيويورك، قبل أن يعود إلى النرويج بعد انتهاء الحرب. وظلت تلك التجربة حاضرة في ذاكرته، وشكلت جانبًا مهمًا من شخصيته الوطنية.
بعد عودته، تلقى تعليمه في النرويج والتحق بالأكاديمية العسكرية، ثم واصل دراسته في جامعة أكسفورد، حيث درس التاريخ والاقتصاد والسياسة.
ولم يقتصر اهتمامه على الدراسة والعمل العسكري، بل كان رياضيًا بارزًا، ومثل النرويج في منافسات الإبحار الشراعي خلال ثلاث دورات أولمبية، في طوكيو عام 1964، ومكسيكو سيتي عام 1968، وميونيخ عام 1972.
قصة حب كسرت التقاليد
من أكثر محطات حياة هارالد إثارة للجدل قصة زواجه من سونيا هارالدسن، التي لم تكن تنتمي إلى أسرة أرستقراطية.
ارتبط هارالد بسونيا عاطفيًا لسنوات، في وقت كانت فيه الزيجات الملكية تخضع لتقاليد صارمة، قبل أن يحصل في النهاية على موافقة والده الملك أولاف الخامس على الزواج. وأقيم حفل الزفاف في أوسلو عام 1968، لتصبح سونيا لاحقًا ملكة للنرويج.
ومع مرور السنوات، تحول زواج هارالد من امرأة من خارج الأسر الملكية إلى نموذج لنهج أكثر انفتاحًا داخل العائلة المالكة، وهو ما انعكس لاحقًا في دعم الملك لخيارات أبنائه الشخصية.
ملك قريب من شعبه
اعتلى هارالد العرش في يناير 1991، بعد وفاة والده الملك أولاف الخامس، وواصل الحكم حتى وفاته، ليصبح أحد أطول ملوك أوروبا بقاءً على العرش.
وخلال أكثر من ثلاثة عقود، رسخ هارالد صورة ملك قريب من المجتمع، خصوصًا خلال الأزمات الوطنية الكبرى.
وفي أعقاب هجمات يوليو 2011 التي أسفرت عن مقتل 77 شخصًا في أوسلو وجزيرة أوتويا، ظهر الملك متأثرًا خلال مراسم التأبين، داعيًا النرويجيين إلى التمسك بالوحدة وعدم الاستسلام للخوف.
كما عُرف بمواقفه الداعمة للتنوع والتسامح، وترك خطابه عام 2016، الذي تحدث فيه عن حق الناس في أن يكونوا مختلفين وأن يحبوا من يختارون، أثرًا واسعًا داخل النرويج وخارجها.
رفض التنازل عن العرش
واجه هارالد خلال سنواته الأخيرة مشكلات صحية متكررة، من بينها إصابات بالعدوى وحاجته إلى جهاز لتنظيم ضربات القلب، قبل أن يدخل المستشفى في أغسطس 2026 إثر تدهور حالته الصحية وإصابته بعدوى بكتيرية في الدم.
وفي عام 2024، أعلن تقليص مشاركاته الرسمية بسبب وضعه الصحي، لكنه رفض فكرة التنازل عن العرش، مؤكدًا أن القسم الذي أداه عند توليه منصبه يستمر مدى الحياة.
ومع وفاته، انتقل العرش تلقائيًا إلى ابنه ولي العهد هاكون، الذي أصبح الملك هاكون الثامن، لتنتهي بذلك حقبة هارالد الخامس وتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الملكية النرويجية.
رحل هارالد تاركًا وراءه زوجته الملكة سونيا، وأبناءه وأحفاده، وإرثًا ملكيًا ارتبط بالانفتاح والتحديث والقرب من المجتمع، بعدما أمضى أكثر من ثلاثة عقود في خدمة النرويج.