لم تعد عملية السلام في تركيا مجرد محاولة جديدة لإغلاق ملف أمني مزمن، بل تحولت منذ أواخر 2024 إلى مسار لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة التركية والحركة الكردية، وربط التسوية الداخلية بإعادة ترتيب البيئة الأمنية المحيطة بتركيا في العراق وسوريا. فالمسار الذي بدأ بإشارة "دولت بهتشلي" إلى "عبد الله أوجلان" في أكتوبر 2024، ثم تطور إلى دعوة "أوجلان" في فبراير 2025 إلى حل "حزب العمال الكردستاني" وإنهاء الكفاح المسلح، تجاوز تدريجيًا منطق وقف إطلاق النار إلى سؤال أكثر تعقيدًا يتعلق بكيفية تحويل قرار سياسي من قيادة تنظيم مسلح إلى ترتيبات قانونية ومؤسسية قابلة للتنفيذ.
وتختلف اللحظة الحالية عن مسار 2013-2015 في نقطة جوهرية، فالمعادلة لم تعد تقوم على تفاوض مفتوح بين أنقرة و"العمال الكردستاني" بقدر ما تقوم على تفكيك البنية المسلحة أولًا، ثم فتح المجال أمام ترتيبات قانونية وسياسية وإعادة إدماج تدريجية. وقد أعلن الحزب في مايو 2025 قراره حل نفسه وإلقاء السلاح، ثم بدأت في يوليو من العام نفسه عملية رمزية لتسليم السلاح في إقليم كردستان العراق، قبل أن يسحب في خريف 2025 ما تبقى من قواته المسلحة داخل الأراضي التركية إلى الجانب العراقي. وفي فبراير 2026 أقر البرلمان التركي تقرير "لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية"، فاتحًا الطريق أمام التشريع، قبل أن يتسلم البرلمان في أغسطس مشروع قانون "تعزيز التضامن الوطني والتكامل المجتمعي" المكون من اثنتي عشرة مادة، فأقره في العاشر من الشهر بأغلبية 468 صوتًا مقابل 88 وامتناع ستة نواب، على أن يرتبط نفاذ آلياته بتحقق المؤسسات الأمنية ومجلس الأمن القومي من اكتمال نزع السلاح وحل التنظيم، قبل أن يُنشر في الجريدة الرسمية ويدخل حيز التنفيذ في 18 أغسطس 2026.
وبالتالي، فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت أنقرة والعمال الكردستاني يريدان إنهاء الصراع، بل كيف ستتم إدارة الانتقال من التنظيم المسلح إلى المجال السياسي، ومن الضمانات غير الرسمية إلى قواعد قانونية، ومن تسوية تركية داخلية إلى ترتيبات إقليمية تشمل العراق وسوريا. ومن هنا، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل مسار الانتقال من الصراع إلى التفكيك، واختبار الضمانات السياسية والقانونية التي ستحدد قابلية التسوية للاستمرار، ثم الأثر الإقليمي للعملية على علاقة تركيا بكل من العراق وسوريا وعلى موقعها في النظام الإقليمي.
الانتقال إلى التفكيك:
يتمثل التحول الأهم في أن عملية السلام الحالية لا تبدأ من نقطة التفاوض على تقاسم السلطة أو إعادة تعريف الدولة، وإنما من محاولة إنهاء البنية المسلحة التي ظلت لعقود تمثل جوهر المشكلة الأمنية بالنسبة إلى أنقرة، وتعكس هذه النقطة تغيرًا في ميزان القوى مقارنة بعام 2013، حين كانت الدولة و"العمال الكردستاني" يدخلان العملية في ظروف أكثر توازنًا من حيث القدرة على تعطيل المسار، بينما أصبحت تركيا اليوم أكثر قدرة على الضغط العسكري داخل أراضيها وعبر الحدود، في الوقت الذي تغيرت فيه البيئة الإقليمية التي كانت تمنح التنظيم وشبكاته هامشًا أوسع للحركة.
وقد لعب "دولت بهتشلي" دورًا تأسيسيًا في إطلاق المسار الجديد، إذ جاء انفتاحه على "أوجلان" من داخل المعسكر القومي نفسه، وهو ما منح المبادرة غطاءً مختلفًا عن مسار العدالة والتنمية السابق. ثم جاءت رسالة أوجلان في فبراير 2025 لتقدم المخرج الذي احتاجته أنقرة، أي إعلان انتهاء الصراع المسلح وحل التنظيم بدلًا من الدخول في مفاوضات طويلة حول مستقبل الدولة. وفي مايو أعلن "العمال الكردستاني" قرار الحل وإلقاء السلاح، لتبدأ بعد ذلك خطوات رمزية وعملية في شمال العراق، وهو تطور مهم لأن الصراع انتقل من سؤال استمرار القتال إلى سؤال التحقق من انتهاء التنظيم كهيكل عسكري.
لكن التفكيك ليس عملية تقنية، فالتنظيم يمتلك بنية بشرية وسياسية وجغرافية ممتدة عبر تركيا والعراق وسوريا، ولذلك فإن إعلان الحل لا يعني تلقائيًا اختفاء الشبكات والولاءات. وتكمن أهمية الخطوة التي أقرها البرلمان التركي في أنها تنقل الدولة من انتظار مبادرة التنظيم إلى بناء آلية قانونية مشروطة بنتيجة أمنية قابلة للتحقق. فمشروع قانون تعزيز التضامن الوطني والتكامل المجتمعي الذي قُدّم إلى البرلمان في الخامس من أغسطس 2026 بتوقيع 360 نائبًا ينص على أن الإجراءات القانونية لا تبدأ إلا بعد تأكد المؤسسات الأمنية من انتهاء نشاط العمال الكردستاني وتسليم أسلحته وذخائره، ثم تأكيد مجلس الأمن القومي ونشر القرار رسميًا.
ويكشف ذلك عن صيغة مختلفة عن العفو الشامل، فالقانون الذي أقره البرلمان في 10 أغسطس ودخل حيز التنفيذ بتوقيع الرئيس "رجب طيب أردوغان" في 18 أغسطس 2026 يؤجل التحقيقات والمحاكمات خمس سنوات في الجرائم التي لا تتجاوز عقوبتها القصوى خمسة عشر عامًا، وعشر سنوات في الجرائم الأشد أو المستوجبة للسجن المؤبد، مع استثناء جرائم القتل العمد المرتبطة بأنشطة التنظيم والجرائم السابقة على يونيو 2005 المستوجبة للمؤبد المشدد، وهو ما يبقي عددًا من كبار القيادات، وعلى رأسهم أوجلان نفسه، خارج نطاق الاستفادة المباشرة من الآلية. ويُقدَّر عدد المستفيدين المحتملين من هذه الترتيبات بنحو أربعة آلاف شخص، فيما أنشأ القانون هيئة حكومية عليا ولجنة برلمانية لمتابعة التنفيذ. وبالتالي، تحاول أنقرة الفصل بين إعادة إدماج العناصر التي يمكن استيعابها وبين منح حصانة عامة لقيادات أو عناصر متورطة في جرائم خطيرة، وهي معادلة تستهدف تقليل مقاومة المؤسسة الأمنية والقومية للمسار.
غير أن نجاح هذا النموذج سيعتمد على قدرة الدولة على تحويل نزع السلاح إلى نهاية فعلية للبنية المسلحة، وليس مجرد توقف مؤقت للعمليات. فخبرة 2013-2015 تشير إلى أن وقف إطلاق النار لا يكفي عندما لا تكون هناك صيغة واضحة للخروج ولا قنوات مؤسسية لحل الخلافات. ووفق نظرية النضج لدى "وليام زارتمان"، فإن التسوية تحتاج إلى مأزق مؤلم متبادل، وإلى تصور مقنع لمخرج، وإلى أطراف قادرة على تمثيل قواعدها. وإذا كانت المعادلة الحالية قد أصبحت أكثر نضجًا من سابقتها بسبب تغير ميزان القوة واستنزاف خيار الحرب، فإن الحلقة الناقصة تظل في ضمان أن يكون المخرج السياسي مقنعًا بما يكفي للجانب الكردي، وقابلًا للدفاع عنه أمام الرأي العام التركي في الوقت نفسه.
اختبار الضمانات
يبقى التحدي الأهم أمام هذا الإطار هو تحويل إعادة الإدماج من إجراء أمني وقانوني محدود إلى جزء من تسوية سياسية أوسع تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع الكردي، وقد ظهر حجم هذا التحدي بوضوح خلال الأيام التي أعقبت إقرار القانون مباشرة، حين أثارت تصريحات "دولت بهتشلي" حول إمكانية بحث ملف "أوجلان" ضمن مسار المصالحة ارتباكًا داخل التحالف الحاكم نفسه، بعدما كان قد استبعد قبل ذلك بأشهر طرح وضعه على الطاولة في الأساس. ويكشف هذا التذبذب أن اختبار الضمانات لن يقتصر على النصوص القانونية، بل سيمتد إلى قدرة الائتلاف الحاكم نفسه على الحفاظ على موقف موحد كلما اقتربت العملية من الملفات الأكثر حساسية، ويمكن تفكيك ذلك عبر عدة محاور:
(١) الضمانات القانونية:
تكمن العقدة الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة في قدرة عملية السلام التركية على الانتقال من الترتيبات الأمنية القابلة للقياس إلى ضمانات سياسية وقانونية قادرة على تثبيت التسوية على المدى الطويل. فنزع السلاح يمكن التحقق منه من خلال مؤشرات واضحة تتعلق بتسليم الأسلحة والذخائر وانتهاء النشاط المسلح، بينما تبقى قضايا الحقوق السياسية وإعادة بناء الثقة وإعادة الإدماج أكثر تعقيدًا، لأنها ترتبط بتغير قواعد العلاقة بين الدولة والمجتمع الكردي وبمدى قدرة المؤسسات التركية على توفير ضمانات لا تتأثر بسهولة بالتغيرات الانتخابية أو الاستقطاب السياسي. ولهذا يحاول المسار الحالي معالجة أحد أبرز أوجه ضعف تجربة 2013-2015 من خلال نقل جزء أساسي من العملية إلى الإطار البرلماني والقانوني، وقد أنشأ القانون نفسه هيئة حكومية عليا ولجنة برلمانية مخصصة لمتابعة التنفيذ، بحيث لا تبقى التسوية مجرد تفاهم سياسي يمكن التراجع عنه، وإنما تتحول تدريجيًا إلى ترتيبات مؤسسية أكثر صعوبة في الإلغاء. ومع ذلك، فإن إدخال البرلمان في قلب العملية لا يلغي التوتر بين منطق الدولة الذي يشترط اكتمال نزع السلاح أولًا، والمنطق الكردي الذي يبحث عن ضمانات سياسية وقانونية تسبق أو ترافق عملية التخلي النهائي عن العمل المسلح.
(٢) ترتيب المراحل:
يمثل إدخال البرلمان التركي والمؤسسات التشريعية في عملية السلام أحد أهم التحولات مقارنة بالمسار السابق، لأنه يسعى إلى إخراج التسوية من نطاق التفاهمات السياسية القابلة للتراجع وربطها بقواعد قانونية يمكن تنفيذها ومراجعتها داخل مؤسسات الدولة. وقد أقر البرلمان في فبراير 2026 تقرير لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية بأغلبية واسعة، متضمنًا مقترحات تتصل بإعادة إدماج من يتخلون عن العنف، وتعديل بعض القيود القانونية، وتحسين بعض الحريات المرتبطة بالتعبير والتجمع، وإنهاء بعض صور التدخل الإداري في البلديات المنتخبة. وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تمنح العملية غطاءً مؤسسيًا أوسع، وتقلل من اعتمادها على الإرادة السياسية المباشرة للحكومة أو على التفاهمات غير الرسمية بين الأطراف. غير أن القيمة الفعلية لهذه الضمانات ستتوقف على قدرتها على الانتقال من النصوص إلى إجراءات تنفيذية واضحة، وعلى وجود آليات تمنع إعادة تفسيرها أو تعطيلها عند حدوث أزمات سياسية أو أمنية.
(٣) دور أوجلان:
تمثل مسألة "عبد الله أوجلان" واحدة من أكثر قضايا الضمانات حساسية، لأنه لعب دورًا محوريًا في إنتاج التحول الاستراتيجي داخل الحركة من خلال دعوته إلى حل "حزب العمال الكردستاني" وإنهاء الكفاح المسلح، لكنه في الوقت نفسه لا يزال يقضي حكمًا بالسجن المؤبد في عزلته على جزيرة "إمرالي" منذ عام 1999، ولا يحدد القانون الجديد وضعه على الإطلاق. وقد أوضح نائب الرئيس التركي "جودت يلماز" أن قضية أوجلان "لا تندرج ضمن نطاق هذا القانون"، مشيرًا إلى أنه سيكون قادرًا لاحقًا على الإسهام بشكل ما في دعم مسار السلام من دون تقديم مزيد من التفاصيل، بينما لمح وزير العدل إلى إمكانية معالجة ظروف احتجازه بقرارات إدارية تخص وزارة العدل وحدها، بعيدًا عن أي تعديل تشريعي. وقد تأكدت حساسية الملف حين أثار "دولت بهتشلي" نفسه جدلًا داخل التحالف الحاكم بعد إقرار القانون مباشرة، بتراجعه عن موقف سابق كان يستبعد فيه طرح وضع "أوجلان" أصلًا، ودعوته إلى بحث الملف ضمن مسار المصالحة. وتطرح هذه الوضعية معضلة عملية أمام أنقرة؛ فمن ناحية، قد يكون استمرار قدرة "أوجلان" على التواصل والتأثير أحد الأدوات المهمة لضمان التزام مختلف مكونات الحركة بالمسار الجديد، خصوصًا في مرحلة الانتقال من التنظيم المسلح إلى المجال السياسي.
ومن جهة أخرى، فإن منحه دورًا أكبر أو اتخاذ خطوات باتجاه تغيير وضعه القانوني قد يواجه مقاومة من التيارات القومية والأمنية داخل تركيا، التي قد تعتبر ذلك تنازلًا غير مقبول. وفي المقابل، فإن إبقاء "أوجلان" خارج العملية بشكل كامل قد يضعف قدرة القيادة الكردية على ضمان الالتزام الكامل بمسار الحل، خصوصًا إذا ظهرت خلافات بين مكونات الحركة أو بين الأطراف الموجودة في تركيا والعراق وسوريا. وقد عزز هذا المعنى تصريح لاحق لقائد قوات سوريا الديمقراطية "مظلوم عبدي"، أعرب فيه عن استعداده لزيارة تركيا إذا سمحت الظروف، مقرًا بدور "أوجلان" في التوصل إلى تفاهمات المسار الحالي ومرجحًا أن يبقى لهذا الدور امتداد مستقبلي، وهو ما يعكس أن أهمية حضور "أوجلان" تتجاوز الداخل التركي إلى الساحة الإقليمية الأوسع.
(٤) التوافق البرلماني:
تحتاج عملية السلام كذلك إلى الحفاظ على التوافق السياسي الذي سمح بمرور خطواتها التشريعية، خصوصًا أن التعاون بين "حزب العدالة والتنمية" وحليفه "الحركة القومية" و"حزب المساواة وديمقراطية الشعوب" المؤيد للأكراد يمثل تحولًا سياسيًا لافتًا مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما تجلى في تصويت 468 نائبًا لصالح القانون مقابل 88 عارضوه وامتناع ستة، بينما قاد حزب "إيي" القومي المعارض أبرز الاعتراضات عليه. غير أن هذا التوافق يظل قابلًا للتأثر بالمنافسة الانتخابية وبالعلاقة بين الحكومة والمعارضة وباحتمال تحول الملف الكردي مرة أخرى إلى أداة للاستقطاب الداخلي.
(٥) الإدماج السياسي:
يبقى التحدي النهائي أمام الضمانات هو تحويل عملية إعادة الإدماج من إجراء أمني وقانوني محدود إلى جزء من تسوية سياسية أوسع تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع الكردي، فالإطار القانوني وحده لا يكفي لإنتاج تسوية تاريخية؛ إذ تحتاج العملية إلى أن تترافق مع بناء قواعد مستقرة للمشاركة السياسية والمحلية، وضمان الحقوق الثقافية والسياسية، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع الكردي. وبذلك يصبح معيار نجاح الضمانات هو قدرتها على إنتاج وضع سياسي لا يحتاج فيه أي طرف إلى العودة إلى السلاح كلما ظهرت أزمة جديدة، لأن التسوية المستدامة لا تعني فقط إنهاء البنية المسلحة، وإنما بناء مؤسسات وقواعد تجعل العودة إلى الصراع أقل احتمالًا وأكثر كلفة سياسيًا ومؤسسيًا.
المجال الإقليمي:
لا يمكن فهم عملية السلام التركية الجديدة من داخل الحدود التركية وحدها، لأن مركز الثقل العملياتي للعمال الكردستاني ظل مرتبطًا بالعراق، بينما ارتبط مستقبل الحركة الكردية بصورة متزايدة بسوريا، ولهذا فإن إنهاء الصراع في تركيا يتطلب في الواقع إعادة ترتيب بيئة أمنية إقليمية كاملة، وهو ما يفسر التقارب التركي العراقي خلال السنوات الأخيرة، وتوسع التعاون الأمني بين أنقرة وبغداد، وتحول بغداد تدريجيًا من اعتبار الملف مشكلة تركية إلى التعامل مع وجود "العمال الكردستاني" باعتباره قضية تمس السيادة العراقية أيضًا.
ويمثل العراق الحلقة الأكثر مباشرة في تنفيذ التسوية، فمناطق قنديل وسنجار ومخمور والحدود العراقية التركية كانت جزءًا أساسيًا من العمق اللوجستي والتنظيمي للحركة، وقد أعلن الحزب في خريف 2025 سحب ما تبقى من قواته المسلحة داخل تركيا إلى الجانب العراقي، حيث لا تزال عناصره منتشرة في مناطق من بينها سنجار ومخمور بحسب تصريحات المسؤولين العراقيين، فيما يتحدث وزير الخارجية التركي "هاكان فيدان" عن تنسيق مستمر مع بغداد وحكومة إقليم كردستان لاستكمال نزع السلاح في هذه المناطق. وقد تحولت السياسة التركية منذ 2019 من العمليات الحدودية المتقطعة إلى وجود عسكري متقدم وشبكة من النقاط والقواعد والطائرات المسيرة، ما أدى إلى تضييق مجال الحركة أمام "العمال الكردستاني". وفي الوقت نفسه، عملت أنقرة على بناء آليات أمنية مع بغداد وحكومة إقليم كردستان، بما يجعل التسوية الحالية فرصة للانتقال من إدارة التهديد إلى تمهيد لترتيبات أمنية أكثر مؤسسية واستدامة.
أما سوريا، فكانت لفترة طويلة الاختبار الأشد تعقيدًا، لأن أنقرة لم تكن تنظر إلى "حزب العمال الكردستاني" باعتباره كيانًا منفصلًا عن "قسد"، بينما كانت الولايات المتحدة ترى في "قوات سوريا الديمقراطية" شريكًا رئيسيًا في مواجهة "تنظيم الدولة الإسلامية"، غير أن التطورات التي أعقبت سقوط نظام "الأسد" تسارعت بوتيرة لافتة، فقد وقّع الرئيس السوري "أحمد الشرع" مع قائد قوات سوريا الديمقراطية "مظلوم عبدي" اتفاقًا لوقف إطلاق النار والاندماج الكامل في 18 يناير 2026، أعقبه اتفاق شامل من أربعة عشر بندًا في 28 من الشهر نفسه ينص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن أجهزة الدولة، وإصدار مرسوم رئاسي يقر بالحقوق الوطنية للأكراد ويعترف بلغتهم لغة رسمية، إلى جانب إلزام "قوات سوريا الديمقراطية" بإخراج عناصر "حزب العمال الكردستاني" غير السوريين من البلاد، وهي خطوة رحبت بها أنقرة صراحة. وتسارعت خطوات التنفيذ على الأرض مع دخول قوات الأمن الداخلي السورية إلى الحسكة والقامشلي، وتسلم الدولة إدارة مطار القامشلي وعدد من حقول النفط في الشمال الشرقي، إلى أن أعلن "عبدي" في العشرين من أغسطس 2026 اكتمال دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية الكردية بالكامل ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وهذا يعني أن نجاح عملية السلام يمكن أن يمنح تركيا مكسبًا يتجاوز إنهاء تمرد داخلي، إذ يسمح لها بإعادة تعريف حدودها الأمنية مع العراق وسوريا، وتقليل الحاجة إلى العمليات العسكرية الممتدة، وتحويل جزء من الموارد السياسية والعسكرية نحو الاقتصاد والبنية التحتية والتجارة الإقليمية، كما يمكن أن يدعم مكانتها كقوة إقليمية قادرة على الجمع بين الأمن والدبلوماسية، خصوصًا في ظل توسع علاقاتها مع بغداد وأربيل ودمشق، وتنامي دورها في ترتيبات الأمن الإقليمي.
وتأسيسًا على ما سبق، فإن عملية السلام التركية دخلت بالفعل مرحلة مختلفة عن محاولتها السابقة، فالمسار الحالي انتقل من التفاوض على وقف الصراع إلى بناء شروط إنهائه، ومن الوساطات السرية إلى الإطار البرلماني والقانوني، ومن التركيز على الداخل إلى معالجة البيئة الإقليمية التي أنتجت استمرار المشكلة. وتوقيع "أردوغان" في 18 أغسطس 2026 على القانون المشروط بنزع السلاح يمثل نقطة انتقال مهمة، لكنه لا يمثل نهاية العملية، لأن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يتحول النص القانوني إلى إجراءات تنفيذية، ويصبح على الدولة والحركة الكردية والمجتمع التركي إدارة مرحلة ما بعد السلاح، في وقت أظهرت فيه الأيام الأولى بعد إقرار القانون أن التوازن الداخلي داخل التحالف الحاكم نفسه، لا الجانب الكردي وحده، قد يكون أول ما يُختبر.
وختامًا، يمكن القول إن نجاح المسار لن يُقاس فقط بغياب الهجمات، بل بقدرته على إنتاج تسوية لا تحتاج إلى العودة إلى السلاح كلما ظهرت أزمة سياسية، فإذا نجحت أنقرة في الجمع بين التفكيك الأمني، والضمانات القانونية، والإدماج السياسي العادل، وإدارة البعد العراقي والسوري دون تدخل أو انتهاك للسيادة، فقد تتحول العملية إلى نقطة إعادة تأسيس للعلاقة بين الدولة التركية والكرد، وتمنح تركيا فرصة لإعادة توجيه قوتها من إدارة صراع مزمن إلى بناء نفوذ إقليمي أكثر استقرارًا. أما إذا اكتمل نزع السلاح من دون أن تتطور القواعد السياسية التي تحكم العلاقة الداخلية، فقد يتحقق هدوء أمني نسبي أو شكلي، لكن من دون تسوية تاريخية كاملة، وهو الفارق بين إنهاء التمرد وإنهاء أسباب الصراع.