منذ اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، لم تستقر السياسة الأمريكية تجاه طهران على مسار واحد. فعلى مدى أكثر من أربعة عقود، تنقلت واشنطن بين التفاوض المباشر والاتصالات السرية، والعقوبات الاقتصادية، والضغوط الدبلوماسية، وصولًا إلى العمليات العسكرية المباشرة.
واليوم، مع دخول المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران شهرها السادس، تبدو هذه الأدوات مجتمعة حاضرة في سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يلوّح بالقوة العسكرية والضغط الاقتصادي، لكنه يترك في الوقت نفسه باب التفاوض مفتوحًا، متحدثًا عن «مفاوضات هادئة» مع طهران.
لكن لفهم ما يجري اليوم، لا بد من العودة إلى المحطات التي شكلت علاقة واشنطن بطهران منذ الثورة الإيرانية.
كارتر.. عندما بدأ الصدام بأزمة رهائن
كانت أزمة الرهائن نقطة الانطلاق الفعلية للعداء المفتوح بين الولايات المتحدة وإيران. ففي نوفمبر 1979، اقتحم طلاب إيرانيون السفارة الأمريكية في طهران واحتجزوا عشرات الأمريكيين، في أزمة استمرت أكثر من عام.
حاول الرئيس جيمي كارتر في البداية استخدام المسار الدبلوماسي للتوصل إلى إطلاق سراح الرهائن، لكن رفض القيادة الإيرانية التعامل المباشر مع مبعوثيه دفع الإدارة الأمريكية إلى الانتقال تدريجيًا نحو الضغط.
جمّدت واشنطن الأصول الإيرانية، وقطعت العلاقات الدبلوماسية مع طهران، وفرضت عقوبات إضافية، قبل أن تدخل الجزائر على خط الأزمة وتنجح في التوصل إلى اتفاق أفضى إلى إطلاق الرهائن في 20 يناير 1981، بعد دقائق من مغادرة كارتر البيت الأبيض.
كانت تلك الأزمة بمثابة النموذج الأول للسياسة التي ستتكرر لاحقًا: التفاوض من جهة، واستخدام العقوبات والضغط من جهة أخرى.
ريجان.. مواجهة علنية وقنوات سرية
مع وصول رونالد ريجان إلى البيت الأبيض، أصبحت السياسة الأمريكية تجاه إيران أكثر تشددًا. ففي عام 1984 صنفت واشنطن إيران دولة راعية للإرهاب، لكن التشدد العلني لم يمنع الإدارة من فتح قنوات سرية مع طهران.
ففي إطار قضية إيران-كونترا، وافقت إدارة ريجان سرًا على بيع أسلحة لإيران، رغم الحظر المفروض عليها، في محاولة للمساعدة في إطلاق سراح أمريكيين محتجزين في لبنان.
لكن العملية تحولت إلى واحدة من أكبر الفضائح السياسية في تاريخ رئاسة ريجان، بعدما كُشف عن تحويل جزء من عائدات مبيعات الأسلحة إلى جماعة الكونترا في نيكاراجوا.
وأظهرت القضية مفارقة ستتكرر لاحقًا في التعامل الأمريكي مع إيران: كلما ارتفع مستوى المواجهة العلنية، لم تختفِ القنوات الخلفية، بل أصبحت أحيانًا أكثر أهمية.
أوباما.. محاولة تحويل الصراع إلى اتفاق
بعد عقود من العقوبات والتوتر، اختار باراك أوباما مسارًا مختلفًا نسبيًا.
ففي سبتمبر 2013، أجرى أوباما اتصالًا هاتفيًا مع الرئيس الإيراني حسن روحاني، ليكون أول اتصال مباشر بين رئيسي البلدين منذ الثورة الإيرانية.
لم يكن الاتصال مجرد خطوة بروتوكولية، بل فتح الباب أمام مفاوضات طويلة حول البرنامج النووي الإيراني، انتهت عام 2015 بتوقيع الاتفاق النووي، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة.
فرض الاتفاق قيودًا على البرنامج النووي الإيراني، ووسع نطاق عمليات التفتيش الدولية، مقابل تخفيف جزء من العقوبات وإتاحة وصول إيران إلى أصول وأموال كانت مجمدة.
وهنا ظهر نموذج مختلف لإدارة الصراع: التفاوض بدلًا من المواجهة المباشرة، وربط تخفيف العقوبات بقيود نووية قابلة للتحقق.
لكن الاتفاق بقي مرتبطًا بإرادة الإدارة الأمريكية التي وقعته، وهو ما ظهر بوضوح بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض.
ترامب الأول.. من الاتفاق إلى «الضغط الأقصى»
في مايو 2018، أعلن ترامب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وأعاد فرض العقوبات التي كانت قد رُفعت بموجبه.
لم تقتصر سياسة ترامب على العقوبات الاقتصادية، إذ صعّدت واشنطن إجراءاتها ضد إيران، وصولًا إلى تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية أجنبية عام 2019.
وردت طهران تدريجيًا بتقليص التزاماتها النووية وزيادة مستويات تخصيب اليورانيوم، بينما وصلت المواجهة إلى أخطر مراحلها في يناير 2020، عندما أمر ترامب بقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني في ضربة أمريكية بالعراق.
ردت إيران بإطلاق صواريخ على قواعد تضم قوات أمريكية، قبل أن تتراجع حدة المواجهة المباشرة، لكن دون أن تختفي جذور الصراع.
ترامب الثاني.. كل الأدوات في وقت واحد
في ولايته الثانية، يبدو أن ترامب لا يعيد ببساطة سياسة «الضغط الأقصى» التي اتبعها في ولايته الأولى، بل يوسع نطاقها.
فالمواجهة الحالية تجمع بين الضغط الاقتصادي والتحركات العسكرية والضغط البحري، مع الإبقاء على قناة تفاوضية مفتوحة.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية في السياسة الأمريكية الحالية: واشنطن تصعّد عسكريًا، لكنها لا تغلق الباب أمام التفاوض؛ تضغط اقتصاديًا، لكنها تتحدث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق.
وبذلك، تبدو سياسة ترامب الحالية وكأنها تجمع أجزاء من سياسات أسلافه: عقوبات كارتر، والقنوات السرية في عهد ريجان، والتفاوض النووي في عهد أوباما، والضغط الأقصى الذي بدأه ترامب نفسه في ولايته الأولى.
هرمز.. الورقة الأخطر
في المواجهة الحالية، اكتسب مضيق هرمز أهمية استثنائية.
فإيران تربط إعادة فتح الممر الملاحي برفع الحصار البحري الأمريكي وسحب القوات الأمريكية من محيطها وإنهاء الحرب، في حين يمثل المضيق شريانًا رئيسيًا لتجارة الطاقة العالمية، إذ تمر عبره عادة نسبة كبيرة من إمدادات النفط الخام العالمية.
وتشير بيانات شركة الاستخبارات البحرية «كيبلر» إلى تراجع حاد في حركة العبور المؤكدة، من 15 سفينة يوم الجمعة إلى 11 السبت ثم ست سفن الأحد، في مؤشر على حجم الاضطراب الذي أحدثته المواجهة في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
ولا تقف المخاوف عند هرمز، إذ تبقى الملاحة عبر باب المندب معرضة لمخاطر إضافية بسبب احتمال تعرض السفن لهجمات من الحوثيين المدعومين من إيران.
ما الذي تغير فعلًا؟
رغم اختلاف الرؤساء الأمريكيين، فإن سجل التعامل مع إيران يكشف عن قاعدة شبه ثابتة: لا واشنطن قادرة على إنهاء المواجهة بالقوة وحدها، ولا طهران قادرة على تجاهل الضغط الأمريكي إلى أجل غير محدد.
كارتر استخدم العقوبات ثم انتهى إلى التفاوض. ريجان واجه إيران علنًا وفتح قنوات سرية معها. أوباما راهن على الاتفاق النووي. ترامب انسحب من الاتفاق واختار «الضغط الأقصى»، ثم عاد في ولايته الثانية إلى الجمع بين الضغط والتفاوض.
لكن الاختلاف الجوهري اليوم يتمثل في أن أدوات الضغط أصبحت أكثر ترابطًا وخطورة. فالعقوبات لم تعد منفصلة عن التحركات العسكرية، والضغط البحري أصبح مرتبطًا مباشرة بأمن الطاقة العالمي، فيما يمكن لأي خطأ عسكري أن يدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع.
ولهذا فإن المعركة الحالية لا تدور فقط حول البرنامج النووي الإيراني أو العقوبات الأمريكية، بل حول من يملك القدرة على فرض شروط التفاوض، ومن يستطيع تحمل كلفة استمرار المواجهة.
مضيق هرمز يمثل في هذا السياق ورقة ضغط إيرانية بالغة الأهمية، بينما تمثل العقوبات والقوة العسكرية الأمريكية أدوات ضغط مقابلة.
وبينما تقول واشنطن إنها تجري مفاوضات هادئة، تواصل طهران وضع شروطها، ما يعني أن التفاوض نفسه أصبح جزءًا من معركة الضغط، وليس بالضرورة مقدمة فورية لاتفاق.
وفي النهاية، قد تكون النتيجة اتفاقًا جديدًا يعيد رسم قواعد العلاقة بين البلدين، أو جولة جديدة من التصعيد إذا فشلت الحسابات المتبادلة.
لكن تاريخ العلاقات الأمريكية الإيرانية منذ 1979 يقدم درسًا واضحًا: المواجهة لا تلغي التفاوض، والتفاوض لا يعني نهاية المواجهة. وغالبًا ما يتحرك المساران معًا، حتى عندما يبدو أحدهما غائبًا.