جاءت زيارة رئيس جهاز الاستخبارات السعودي خالد بن علي الحميدان إلى بغداد في توقيت بالغ الحساسية، بعد أيام من الضربات السعودية التي استهدفت مواقع للحشد، وإلغاء زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى الرياض، ما فتح الباب أمام تحرك جديد لاحتواء التصعيد وإعادة ترتيب العلاقات بين البلدين.
وحملت الزيارة رسائل تهدئة، إلى جانب تجديد الدعوة للزيدي لزيارة السعودية، في وقت تشهد فيه المنطقة توترًا متصاعدًا، وسط استعدادات لفصائل عراقية لرد محتمل على التطورات الأخيرة.
رسائل سعودية لاحتواء التصعيد
يرى الخبير الأمني سرمد البياتي أن إرسال السعودية وفدًا بهذا المستوى إلى بغداد في هذه الظروف يعكس رغبة في إظهار حسن النية تجاه العراق، معتبرًا أن الخطوة إيجابية، لكن نتائجها ستظل مرتبطة بدرجة كبيرة بمسار التوتر بين واشنطن وطهران.
ويشير البياتي إلى أن التصعيد الإقليمي وصل إلى مستويات مقلقة، وأن الوصول إلى تفاهمات يصبح أكثر صعوبة مع كل موجة توتر جديدة، لافتًا إلى أن استهداف ناقلة نفط إماراتية في مضيق هرمز يزيد من احتمالات اتساع دائرة التصعيد.
ويصف زيارة المسؤول الاستخباري السعودي بأنها خطوة جريئة، خصوصًا أنها جاءت في ظل حالة احتقان بين بغداد والرياض، وفي وقت كانت فيه فصائل عراقية تستعد، وفق معلوماته، لتحرك محتمل ردًا على التطورات الأخيرة.
ويعتقد البياتي أن الزيارة تحمل رسائل مهمة إلى الجانب العراقي، من بينها إمكانية تقديم اعتذار أو إبداء الأسف بشأن الضربة السعودية وما خلفته من ضحايا.
كما يشير إلى وجود تسريبات تتحدث عن أن المشاركة السعودية في الضربة كانت محدودة، وأن طرفًا آخر تولى الجانب الأكبر من تنفيذ الهجمات، معتبرًا أن إثبات هذه التفاصيل أو توضيحها قد يساعد في تحسين مسار العلاقات بين البلدين.
دعوة جديدة للزيدي إلى الرياض
ويعتبر البياتي أن تجديد السعودية دعوتها لرئيس الوزراء العراقي لزيارة المملكة يمثل إحدى أبرز الرسائل التي حملتها الزيارة، مرجحًا أن يلبي الزيدي الدعوة خلال الفترة المقبلة.
كما يرى أن الرياض قد تكون سعت إلى طمأنة بغداد بشأن التحالف الدفاعي الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان، والتأكيد على أنه لا يستهدف دول الجوار ولا يهدف إلى الإضرار بمصالح العراق.
وفي السياق نفسه، يؤكد قادة في الإطار التنسيقي أن الفصائل العراقية ليست الجهة التي تستهدف السعودية، بينما يرى البياتي أن جانبًا من الأزمة يرتبط بقدرات العراق الفنية، إذ لا يمتلك، بحسب تقديره، الأدوات الكافية لرصد الطائرات المسيّرة وتحديد مواقع انطلاقها بدقة.
ويشير إلى أن الدول التي تعرضت للهجمات تكتفي بالإشارة إلى انطلاقها من الأراضي العراقية، من دون تحديد مواقع الإطلاق بصورة واضحة، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد ويصعّب الوصول إلى تفاهمات بشأن المسؤولية.
بغداد بين الضغوط الأمنية والحل الدبلوماسي
من جانبه، يرى المحلل السياسي وائل الحازم أن الرد السعودي-الأمريكي وضع العراق أمام موقف شديد الحساسية، مؤكدًا أن معالجة الأزمة ينبغي أن تبقى ضمن الإطار الدبلوماسي، خصوصًا أن العراق يمر بمرحلة تعافٍ ويحتاج إلى الحفاظ على علاقاته مع جيرانه وشركائه وإعادة بناء الثقة مع محيطه الإقليمي.
ويشير الحازم إلى أن السعودية كانت تؤكد تعرضها لهجمات انطلقت من الأراضي العراقية، في حين تنفي الفصائل والجهات العراقية مسؤوليتها عنها.
ويرى أن الرياض ربما قدمت إلى بغداد أدلة بشأن مصادر الهجمات، إلا أن الجانب العراقي لم يقتنع بها بصورة كاملة، مع بقاء احتمال استخدام الأراضي العراقية كنقطة انطلاق أو ممر لتنفيذ تلك العمليات.
ويرجح الحازم أن تكون إحدى مهمات الوفد السعودي توضيح الأدلة التي تمتلكها الرياض، والتأكيد على أن الضربات جاءت ردًا على هجمات سابقة، وليس باعتبارها عملًا عدوانيًا يستهدف العراق بحد ذاته.
السلاح وقرار الدولة
ويشدد الحازم على ضرورة أن يبقى القرار الأمني والعسكري بيد الدولة العراقية، معتبرًا أن معالجة ملف السلاح والأنشطة العسكرية خارج مؤسسات الدولة تمثل عنصرًا أساسيًا في احتواء التوتر مع دول الجوار.
ويشير إلى أن التطورات الأخيرة، بما فيها التفاعلات بين رئيس الوزراء والفصائل عقب التهديدات المتبادلة، تظهر أهمية الخطوات التي يتخذها الزيدي في هذا الملف، لكنه يحذر في الوقت نفسه من التسرع في تقييم نتائجها.
ويعتبر أن خطوات رئيس الوزراء واضحة ومهمة، إلا أن نجاحها يحتاج إلى وقت، مشيرًا إلى أن ترسيخ سلطة الدولة لا يمكن أن يتحقق بين ليلة وضحاها، وأن الحكم على تجربة الحكومة ونتائج تحركاتها لا يزال مبكرًا.
اختبار جديد للعلاقات السعودية-العراقية
وتبدو زيارة المسؤول الاستخباري السعودي إلى بغداد محاولة لفتح نافذة للتهدئة بعد مرحلة من أكثر مراحل التوتر حساسية بين السعودية والعراق.
وبين تجديد دعوة رئيس الوزراء العراقي إلى الرياض، والسعي إلى توضيح ملابسات الهجمات وضمان عدم تكرارها، يبرز التحدي الأساسي أمام بغداد في قدرتها على تحويل التهدئة السياسية والدبلوماسية إلى إجراءات عملية تمنع استخدام الأراضي العراقية في الصراعات الإقليمية.
وتأتي هذه التحركات في ظل تداخل الحسابات العراقية مع التصعيد الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران، ما يجعل نجاح مسار التهدئة بين بغداد والرياض مرتبطًا، بدرجة كبيرة، بقدرة العراق على حماية أراضيه والحفاظ على توازن علاقاته الإقليمية.