يمثل التطور التشريعي المتمثل في تقديم "مشروع قانون تعزيز الوحدة المجتمعية والدعم الوطني" (المعروف بالقانون الإطاري) إلى البرلمان التركي محطة بارزة في تاريخ النزاع الممتد لأكثر من أربعة عقود في البلاد.
يكتسب هذا التشريع أهميته الاستثنائية من كونه المرة الأولى التي تجري فيها صياغة مشروع قانون ينبثق مباشرة عن مفاوضات ومحادثات سريّة ومباشرة مع الزعيم الكردي عبد الله أوجلان المعتقل في سجن جزيرة إمرالي منذ عام 1999.
سلطت التحليلات الصحفية والسياسية الضوء على الأبعاد السياسية لهذا القانون، ورصدت كيف تتداخل فيه آمال الأكراد في إنهاء نكبات الحرب مع طموحات الرئيس رجب طيب أردوغان والحزب الحاكم لحشد الأصوات والأغلبية البرلمانية المطلوبة لإجراء تعديلات دستورية تُتيح له الاستمرار في السلطة لولاية أخرى.
موقف عبد الله أوجلان وتأطيره للقانون
من محبسه، دعم عبد الله أوجلان صدور هذا القانون عبر الرسائل التي نقلها وفد حزب "المساواة وديمقراطية الشعوب" (DEM) عقب زيارته في إمرالي. ورغم إدراكه للقصور وما ينطوي عليه النص التشريعي من نواقص وضيق في الأفق الشامل، إلا أن أوجلان أكد أن سنّ هذا **"القانون الإطاري" يمثل بداية صحيحة ومفتاحاً لنواة عملية التحول الديمقراطي**.
ودعا أوجلان جميع الأطراف إلى تجنب النظرة التشاؤمية، مشدداً على فلسفته الجوهرية تجاه العملية بقوله إن **"رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة"**، ومؤكداً أن أساس مشوار الألف ميل يكمن في إطلاق تلك الخطوة الأولى وتثبيتها. وتتجلى أهمية هذا الإطار حسب رؤيته في كسر حالة الجمود وتوفير مظلة قانونية رسمية تضمن تحريك عجلة المفاوضات والانتقال من حالة الترقب المحفوفة بالمخاطر إلى مسار التأسيس التدريجي للسلام والاندماج الاجتماعي.
قراءة نقدية: التركيز على الجانب الأمني وغياب "ما بعد التنفيذ"
على الرغم من الزخم السياسي والأهمية الممنوحة للخطوة كبداية عملية، يواجه مشروع القانون انتقادات جوهرية من قِبل مراقبين وحقوقيين وسياسيين أكراد، وتتلخص أبرز المآخذ عليه في النقاط التالية:
تجاهل الجذور السياسية والثقافية للقضية الكردية:
يتعامل النص التشريعي مع المسألة برمتها بصفتها ملفاً أمنياً وتقنياً فقط، إذ تركز بنوده على إجراءات التدقيق والدمج الإداري والعفو المحدود، دون التطرق الجاد والواضح للحقوق الثقافية والسياسية الجوهرية للأكراد، مثل الحق في التعليم باللغة الأم، أو اللامركزية الإدارية، أو الاعتراف الدستوري بالمواطنة المتساوية.
التركيز الأحادي على إنهاء البنية التنظيمية:
تُظهر مسودة القانون أن الأولوية الرئيسية للحكومة تتمثل في تفكيك البنية التنظيمية وإدارة المشهد من زاوية أمنية، وهو ما يجعل القانون أقرب إلى أداة لإنهاء الملف بشروط السلطة بدلاً من كونه اتفاق سلام متوازن يعالج الأسباب الجذرية للصراع.
غياب رؤية واضحة لـ "مرحلة ما بعد التنفيذ" (Post-Implementation):
يفتقر مشروع القانون للضمانات الدستورية والهيكلية المعنية بما يحدث عقب تطبيق البنود الأولى. ولا يُقدم أجوبة واضحة حول كيفية الدمج السياسي والاجتماعي الحقيقي للقيادات والفاعلين في الحياة العامة، ولا يُحدد مصير كافة المعتقلين السياسيين الكبار. كما أن غياب آليات الرقابة المستقلة يضع العملية برمتها تحت رحمة المزاج السياسي للحزب الحاكم والتوازنات الانتخابية.
عودة القيادات والكوادر: عصب الزخم السياسي المرتقب
لا تقتصر أهمية القانون الإطاري على الأبعاد التشريعية النظرية، بل تتجسد قيمته العملية في البنود التي تتيح عودة وتكامل الكوادر والقيادات الكردية إلى الداخل التركي، وهو ما يُراهن عليه الشارع الكردي لإحداث نقلة نوعية في المشهد السياسي:
1. عودة القيادات المتوسطة والكوادر من "الكريلا": يتضمن المسار آليات تضمن عودة أعداد من القيادات المتوسطة والميدانية والكوادر التنظيمية من الجبال إلى وطنهم، مما يسهم في إنهاء حالة التشتت المسلح وتحويل طاقتهم وإمكاناتهم التنظيمية نحو العمل المدني والسياسي.
2. عودة السياسيين والمثقفين من المنفى الأوروبي: يسمح التشريع بعودة قيادات وكوادر سياسية وإعلامية كردية بارزة ظلت لسنوات طويلة في أوروبا، لتنقل خبراتها وشبكة علاقاتها الدولية إلى قلب الميدان السياسي المحلي.
3.الإفراج عن معتقلين سياسيين بارزين: يمهد الإطار لخروج عدد من القادة السياسيين المعتقلين داخل السجون التركية (من بينهم نحو أربعة من أبرز رموز الحركة السياسية الكردية)، ليعودوا مباشرة إلى رفع التحدي العملي والتنظيمي.
تُشكل هذه العودة الثلاثية الأبعاد — من الجبل والمنفى والسجن — ضخاً لدماء جديدة وقيادات ذات ثقل جماهيري وتاريخي كبير، مما سيمنح الحياة السياسية الكردية في تركيا إضافة نوعية وزخماً استثنائياً غير مسبوق.
الرهان الكردي: بناء جبهة ديمقراطية ونقل النضال إلى البرلمان
انطلاقاً من هذه التطورات، يُراهن الأكراد على أن المرحلة القادمة لن تقتصر على ترتيب البيت الداخلي، بل ستشهد تشكيل "جبهة ديمقراطية عريضة" تضم الأحزاب الكردية والقوى المدنية واليسارية وجميع التيارات المؤمنة بالتحول الديمقراطي داخل الساحة التركية.
فمع إسقاط الذريعة الأمنية وذرائع التهميش وانضمام القيادات المتوسطة العائدة والرموز المُفرج عنها إلى العمل العلني، يُخطط الأكراد لحشد هذه الجبهة الديمقراطية ونقل الثقل بالكامل إلى الميدان المدني والسياسي والبرلماني. وسيسهم هذا الاصطفاف الديمقراطي في استغلال وزنهم الديمغرافي والانتخابي ككتلة حاسمة لا يمكن لأي طرف حاكم تجاوزها في التعديلات الدستورية أو الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وتأطير نضال مشترك يفرض ملفات المواطنة الكاملة والاعتراف الدستوري والتحول الديمقراطي الشامل كأمر واقع لا مفر منه.
في النهاية، يُعد "القانون الإطاري" - كما رآه أوجلان - بداية صحيحة وخطوة أولى في مشوار الألف ميل نحو كسر جدار الانسداد التاريخي. ورغم المحاولات الحكومية لاختزال القضية الكردية في إجراءات أمنية، فإن عودة القيادات المتوسطة للكريلا وتوجههم نحو العمل المدني والسياسي، برفقة السياسيين من أوروبا ورموز السجون ومراهنة الأكراد على تشكيل جبهة ديمقراطية واسعة، ستحول هذا التشريع من مجرد صفقة أمنية إلى محرك أساسي لزخم سياسي وشعبي يُعيد رسم القواعد الديمقراطية في تركيا.
بين السطور
منبر الرأي