بث تجريبي

"فخ ثوسيديدس" يطارد العالم مجددًا.. حرب إيران تُربك حسابات الصين

لم تكن الحرب الأمريكية ضد إيران، بالنسبة إلى بكين، مجرد أزمة إقليمية في الشرق الأوسط، بل اختبارا واسع النطاق لقدرة واشنطن على إدارة النظام الدولي نفسه، وحدود نفوذها كقوة مهيمنة.

وتشير قراءة صينية لهذه الحرب إلى أنها لعبت دوراً محورياً في إعادة تشكيل النظرة الصينية إلى القوة الأمريكية، ليس فقط في سياق الشرق الأوسط، بل في إطار التوازنات العالمية الأوسع، وعلى رأسها التنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين.

في هذا السياق، جاء تصريح الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال لقائه الأخير مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حين شدد على أن "تايوان خط أحمر عسكري للصين"، محذراً من الانزلاق نحو "فخ ثوسيديدس". 

وبينما اعتُبر التصريح حينها جزءاً من التوترات التقليدية في شرق آسيا، فإن التحليل الصيني الأعمق يربطه مباشرة بنتائج الحرب الإيرانية وتداعياتها على موقع الولايات المتحدة العالمي، وفق "moderndiplomacy".

وفق هذا التصور، لم تكن الحرب الأمريكية ضد إيران مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل اختباراً عملياً لقدرة واشنطن على إدارة أزمات متعددة في وقت واحد. غير أن الاستنتاج الذي خرجت به بكين لم يكن في صالح الولايات المتحدة، إذ يرى صناع القرار الصينيون أن الصورة التقليدية لأمريكا كقوة عظمى "متحكمة ومنخفضة الكلفة وغير قابلة للإرهاق" لم تعد قائمة.

فالحرب، بحسب هذا التحليل، كشفت عن مستوى متزايد من التوسع الاستراتيجي المفرط، واستنزاف الموارد، وتشتت الأولويات الجيوسياسية الأمريكية، بما يعكس تحولاً بنيوياً في طريقة إدارة واشنطن لنفوذها العالمي.

ومن هذا المنظور، لم تعد تصريحات شي جين بينغ بشأن تايوان مجرد تحذير إقليمي، بل تعبيراً عن قراءة صينية لانعكاسات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، والتي سعت إلى إعادة تأكيد الردع الأمريكي وإظهار القوة أمام الخصوم، بما في ذلك الصين وروسيا، لكنها انتهت إلى نتائج أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً.

مع تطور الحرب، لم تتحول المواجهة مع إيران إلى عملية سريعة أو منخفضة التكلفة كما كان مخططاً لها، بل دخلت واشنطن في دوامة استنزاف تدريجية. فقد ساهمت أزمة الطاقة، وتهديد طرق الملاحة، والهجمات الانتقامية على القواعد الأمريكية، وارتفاع الإنفاق العسكري، في دفع الولايات المتحدة نحو أعباء متزايدة تشبه إلى حد كبير تجاربها السابقة في العراق وأفغانستان.

وبحسب التحليل، فإن هذه الحرب لم تفشل فقط في إعادة إحياء الردع الأمريكي، بل كشفت أيضاً عن فجوة متسعة بين "صورة القوة" و"القدرة الفعلية على استخدامها بشكل مستدام". وهو ما انعكس على صورة الولايات المتحدة كقوة تواجه قيوداً داخلية وخارجية متزايدة.

وتتجلى هذه القيود، وفق الرؤية الصينية، في استقطاب سياسي داخلي حاد، وضغوط اقتصادية متصاعدة، وتراجع القدرة المجتمعية على تحمل حروب طويلة الأمد، في وقت تتزايد فيه الالتزامات الخارجية.

ومن منظور الصين، جاءت الحرب الإيرانية لتجيب بشكل أولي عن سؤال استراتيجي ظل مطروحاً لسنوات: هل تستطيع الولايات المتحدة إدارة عدة أزمات عالمية كبرى في آن واحد؟ والإجابة، كما يراها القادة الصينيون، بدأت تميل إلى النفي.

وترى بكين أن أكبر نقاط ضعف الولايات المتحدة تكمن في "التوسع الاستراتيجي المفرط"، حيث يؤدي انخراط القوة المهيمنة في عدة جبهات متزامنة إلى استنزاف تدريجي لقدراتها العسكرية والمالية والسياسية، وإضعاف قدرتها على التركيز واتخاذ القرار.

وقد فاقمت الحرب الإيرانية هذا الاتجاه، في وقت تواجه فيه واشنطن بالفعل الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التوتر في الشرق الأوسط، والمنافسة الاستراتيجية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ما أدى إلى تشتت واضح في الأولويات الأمريكية.

وفي هذا الإطار، تكتسب تصريحات شي جين بينغ بشأن "فخ ثوسيديدس" بعداً إضافياً، إذ لم تعد تشير فقط إلى خطر الصدام بين قوة صاعدة وأخرى مهيمنة، بل تعكس أيضاً تصوراً بأن الولايات المتحدة، في ظل تراجع قدرتها على الردع، قد تصبح أكثر ميلاً إلى سياسات أكثر مخاطرة وعدوانية.

وبحسب هذا التحليل، فإن أخطر ما يواجه النظام الدولي اليوم ليس فقط التنافس بين القوى الكبرى، بل حالة عدم اليقين الناتجة عن تآكل الهيمنة الأمريكية، وإعادة توزيع موازين القوة العالمية.

وفي نهاية المطاف، يرى هذا التصور أن الحرب الإيرانية، رغم أنها صُممت لإظهار قوة واشنطن، انتهت إلى كشف حدودها، وهو ما التقطته بكين جيداً، لتخلص إلى أن لحظة التحول في النظام الدولي لم تعد تهديداً لها بقدر ما أصبحت فرصة استراتيجية متنامية.

قد يهمك