بث تجريبي

الاحتفالات والمراسيم الكردية في العصر الإسلامي الوسيط ودورها في تأصيل الهوية والانتماء "في ضوء فكر عبدالله أوجلان"

تُعَدُّ الاحتفالات والمراسيم الشعبية في المجتمعات التقليدية من أكثر الأدوات فاعلية في إنتاج الهوية الجماعية وصيانتها، لا بوصفها مجرد ممارسات رمزية عابرة، بل باعتبارها منظومات ثقافية متكاملة تعكس وعي الجماعة بذاتها وتاريخها ومصيرها.

وتزداد أهمية هذه الظاهرة في المجتمعات التي لم تعرف تشكُّل الدولة القومية المركزية، حيث تتحمل الثقافة اليومية عبء الحفاظ على وحدة الجماعة واستمراريتها.

وفي هذا الإطار، تمثل التجربة الكردية خلال العصر الإسلامي الوسيط نموذجًا دالًا على قدرة الثقافة على الاضطلاع بوظيفة الدولة في حفظ الهوية. فقد عاش الأكراد ضمن فضاء سياسي متشظٍ، توزعت فيه سلطتهم بين قوى متعددة، دون أن ينجحوا في إقامة كيان سياسي موحد طويل الأمد. ومع ذلك، لم يؤدِّ هذا التشتت إلى تلاشي هويتهم، بل على العكس، أسهم في تعزيز دور الممارسات الثقافية—وفي مقدمتها الاحتفالات—كحاضن رئيسي للانتماء.

ومن اللافت أن هذا التصور يجد صداه في الفكر السياسي المعاصر، ولا سيما لدى عبدالله أوجلان، الذي يؤكد أن الأمة ليست نتاج الدولة، بل ثمرة التفاعل الثقافي والاجتماعي اليومي، وهو ما يجعل من التجربة الكردية الوسيطة شاهدًا تاريخيًا سابقًا على هذا التنظير.

أولاً: السياق الوسيط: بين تفتت السلطة وتماسك الثقافة

لم يعرف الأكراد خلال العصر الإسلامي الوسيط وحدة سياسية مستقرة، بل اندمجوا في كيانات أوسع، بدءًا من الخلافة الإسلامية، مرورًا بالإمارات المحلية ذات الطابع شبه المستقل. وقد عبّر ابن الأثير عن هذا الواقع بقوله إنهم «أهل جبال ومنعة، ولهم شوكة، ويتفرقون في البلاد»، وهو وصف يشي بازدواجية بنيوية: قوة اجتماعية كامنة تقابلها حالة من التشتت السياسي.

هذه الازدواجية أفرزت نمطًا مغايرًا في تشكُّل الهوية؛ إذ لم تعد الدولة هي الإطار المرجعي للانتماء، بل أصبحت الثقافة—بمظاهرها اليومية—هي الحامل الأساسي له. ومن هنا يمكن القول إن الهوية الكردية لم تُبنَ من أعلى عبر مؤسسات السلطة، بل تشكّلت من أسفل، عبر التراكم البطيء للممارسات الاجتماعية والرمزية.

ويكتسب هذا التحليل عمقًا إضافيًا إذا ما قورن برؤية عبدالله أوجلان، الذي يرى أن الأمة يمكن أن تتشكل خارج إطار الدولة، بل ربما في غيابها، عبر ما يسميه “الفضاء الثقافي المشترك”، حيث تتفاعل اللغة والذاكرة والطقوس لتنتج شعورًا بالانتماء يتجاوز الحدود السياسية.

ثانياً: نوروز في العصر الوسيط: الطقس بوصفه استمرارية للزمن

1. الاستمرارية والتكيّف

يُعَدُّ عيد نوروز من أبرز تجليات الاستمرارية الثقافية لدى الأكراد، إذ احتفظوا به عبر تحولاتهم الدينية والحضارية، دون أن يفقد دلالته الرمزية. وقد أشار المسعودي إلى احتفالات الشعوب ببداية الربيع بوصفها تعبيرًا عن “تجدد الزمان”، وهو ما يضع نوروز ضمن إطار كوني أوسع.

غير أن خصوصية نوروز في السياق الكردي تكمن في تحوله من مجرد احتفال طبيعي إلى وعاء للذاكرة الجمعية، حيث تُستعاد من خلاله رموز التحرر والانبعاث. وهنا يتجاوز العيد بعده الزمني ليصبح أداة لإعادة إنتاج الهوية، عبر ربط الحاضر بالماضي في دورة زمنية متجددة.

2. النار كرمز وجودي

تمثل النار العنصر المركزي في طقوس نوروز، وهي تحمل دلالات تتجاوز بعدها الحسي إلى مستوى رمزي عميق. فهي تعبير عن:

الانتصار على العتمة بوصفها حالة وجودية

الاستمرار في مواجهة الفناء

تجدد الحياة الجماعية

وعندما تجتمع الجماعة حول النار، فإنها لا تحتفل فحسب، بل تعيد تعريف ذاتها ككيان قادر على البقاء. ومن هذا المنظور، تتحول النار إلى “نقطة تلاقي” بين الذاكرة والهوية، وهو ما يتقاطع مع طرح عبدالله أوجلان حول مركزية الرموز في تثبيت الوعي الجمعي.

ثالثاً: الجغرافيا بوصفها بنية للهوية

تُظهِر إشارات ياقوت الحموي إلى انتشار الأكراد في المناطق الجبلية أن الجغرافيا لم تكن مجرد إطار مكاني، بل كانت عنصرًا فاعلًا في تشكيل الهوية. فالمجال الجبلي، بما يحمله من صعوبة وانعزال، أسهم في إنتاج نمط خاص من الوعي بالذات.

فالاحتفال في الجبل ليس اختيارًا عفويًا، بل هو فعل رمزي يعكس:

ارتباط الحرية بالعلو

اقتران الكرامة بالتحصن الطبيعي

وعي الجماعة بخصوصيتها

ومن ثمّ، يمكن القول إن الجغرافيا هنا تتحول إلى “نص ثقافي” يُقرأ ويُعاد إنتاجه عبر الممارسة الاحتفالية. وهو ما ينسجم مع تصور عبدالله أوجلان للهوية باعتبارها نتاج علاقة عضوية بين الإنسان وبيئته.

رابعاً: الرقص الجماعي: الجسد بوصفه لغة للانتماء

يمثل الرقص الجماعي أحد أكثر أشكال التعبير كثافة في الاحتفالات الكردية، حيث يصطف الأفراد في حركة إيقاعية موحدة، تتلاشى فيها الفروق الفردية لصالح الكل. وهذه الظاهرة لا يمكن قراءتها بوصفها ممارسة فنية فقط، بل باعتبارها خطابًا رمزيًا يُجسِّد فكرة الجماعة.

فالرقص هنا يؤدي وظائف متعددة:

إعادة إنتاج الانسجام الاجتماعي

تجسيد الوحدة بشكل مرئي محسوس

تحويل الجسد إلى وسيط للتعبير عن الهوية

وبذلك، تصبح الهوية ممارسة حية تُرى وتُعاش، لا مجرد فكرة تُقال. وهذا ما يؤكده عبدالله أوجلان حين يربط بين الهوية والمشاركة الاجتماعية الفعلية.

خامساً: الأسطورة والذاكرة: كتابة التاريخ خارج النص

في ظل محدودية التدوين التاريخي الرسمي، برزت الذاكرة الشفوية بوصفها الأداة الأساسية لحفظ التجربة الكردية. وقد أشار ياقوت الحموي إلى تعدد مواطن الأكراد، وهو ما يعكس غياب الوحدة السياسية، لكنه لا ينفي وجود وحدة ثقافية عميقة.

ومن خلال الاحتفالات، تُستعاد الأساطير وتُروى الحكايات، لتشكّل ما يمكن تسميته “التاريخ الرمزي”، الذي لا يهدف إلى تسجيل الوقائع بقدر ما يسعى إلى ترسيخ القيم والمعاني.

وهنا تتجلى وظيفة الذاكرة بوصفها أداة لإعادة بناء الهوية، وهو ما يتوافق مع رؤية عبدالله أوجلان الذي يعتبر الذاكرة الجماعية الركيزة الأساسية لأي كيان قومي.

سادساً: الاحتفال كصيغة للمقاومة الثقافية

لا يمكن اختزال الاحتفالات في بعدها الترفيهي، إذ تنطوي على بعد مقاوم عميق. فالإصرار على ممارسة الطقوس في ظل هيمنة كيانات سياسية أكبر يمثل شكلًا من أشكال الحفاظ على الاختلاف.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الاحتفالات الكردية بوصفها:

آلية لصون الخصوصية

وسيلة لرفض الذوبان الثقافي

تعبيرًا عن مقاومة غير صدامية

وهذا المفهوم يتقاطع بوضوح مع طرح عبدالله أوجلان الذي يرى أن المقاومة الثقافية تمثل أساسًا لأي تحرر حقيقي.

سابعاً: التفاعل بين الديني والثقافي

اتسمت التجربة الكردية بمرونة واضحة في التفاعل مع الإطار الإسلامي، حيث لم تؤدِّ عملية الاندماج الديني إلى إلغاء الخصوصية الثقافية، بل أفضت إلى حالة من التداخل الخلاق.

وقد تجلى ذلك في:

المشاركة في الأعياد الإسلامية

الاستمرار في الاحتفالات الخاصة

إعادة تأويل بعض الطقوس ضمن السياق الإسلامي

وهذا التوازن يعكس وعيًا مركبًا بالانتماء، وهو ما يمكن قراءته في ضوء مفهوم “الأمة الديمقراطية” لدى عبدالله أوجلان، القائم على التعددية والاحتواء.

ثامناً: الهوية كعملية تاريخية مفتوحة

تكشف دراسة الاحتفالات الكردية في العصر الوسيط أن الهوية لم تكن معطًى ثابتًا، بل عملية مستمرة من التشكّل. فكل احتفال يمثل لحظة تفاعل بين:

الماضي بوصفه ذاكرة

الحاضر بوصفه ممارسة

المستقبل بوصفه أفقًا

ومن ثمّ، تصبح الهوية فعلًا ديناميكيًا، يُعاد إنتاجه باستمرار. وهذا هو جوهر الرؤية التي يقدمها عبدالله أوجلان، حيث تُفهم الأمة بوصفها مشروعًا مفتوحًا لا يكتمل.

في الاخير: يتضح أن الاحتفالات والمراسيم الكردية في العصر الإسلامي الوسيط لم تكن مجرد تعبيرات ثقافية هامشية، بل كانت البنية العميقة التي حفظت الهوية في ظل غياب الدولة. فمن خلال الرموز، والطقوس، والممارسات الجماعية، استطاعت الجماعة الكردية أن تعيد إنتاج ذاتها عبر الزمن.

كما أن قراءة هذه الظاهرة في ضوء فكر عبدالله أوجلان تكشف عن امتداد تاريخي لفكرة مركزية الثقافة في بناء الأمة، حيث يظهر أن ما صيغ نظريًا في العصر الحديث، قد تحقق عمليًا في التجربة التاريخية الكردية.

وبذلك، يمكن القول إن الاحتفال لم يكن مجرد فعل تذكاري، بل ممارسة وجودية مستمرة، تُجسِّد الهوية وتُجدِّد الانتماء في آنٍ واحد.

 

قد يهمك