تتعدد الدعوات التي تجوب الكرة الأرضية للمطالبة بإطلاق سراح القائد الكردي عبد الله أوجلان من عزلته الممنهجة بجزيرة إمرالي، خاصة أنه لم يعد مقبولاً استمرار احتجازه لأكثر من 28 عاماً في الوقت الذي يعاني فيه من ظروف صحية قاسية، مما يمثل خطراً حقيقياً على جسده، حيث خضع مؤخراً لعملية جراحية في عينه.
واستمرار احتجازه في ظل ظروفه الصحية الراهنة وعمره المتقدم لنحو 77 عاماً، والعزلة التي يعيشها في مكان ترتفع فيه نسبة الرطوبة، كل ذلك يمثل خطورة على حياته، مما يتطلب ضرورة مراعاة تغيير ظروف عزلته.
ورغم ما يمر به القائد الكردي من ظروف صحية صعبة، إلا أنه لم يألُ جهداً في إعداد بيان النوروز بما يحتويه من رؤية تخطت الحدود الفلسفية باستراتيجية سياسية تستشرف المستقبل، ترتكز على تمسكه بنداء السلام والدولة الديمقراطية في إقليم ملتهب تعج وتموج فيه الصراعات والحروب.
من المؤكد أن عملية السلام لا يمكنها أن تتقدم من طرف واحد، لذلك نجد أن أول ما يشغل فكر وهموم القائد الكردي عبد الله أوجلان هو تقديم الحل لقضية السلام في أجزاء كردستان الأربعة، بجانب تقييم قضية المرأة سواء في إطار العملية أو بشكل عام، فضلاً عن استعراض قضية الثقافة واللغة الكردية والتي ظل يناضل من أجلهما لأكثر من 50 عاماً، مؤكداً على أهمية استمرار هذا النضال.
ورؤية القائد الكردي عبد الله أوجلان نحو حماية الثقافة واللغة الكردية في غاية الأهمية، خاصة وأن نحو 80٪ من الكرد فقدوا لغتهم وثقافتهم وتاهوا مع نظام العولمة.
أتصور أهمية توفير ضمانات قانونية لحمايتهما من الاندثار، بالإضافة إلى أن يكون التعليم في مرحلة التعليم الأساسي مرتكزاً في المقام الأول على استخدام اللغة الكردية داخل قاعات الدرس.
كما أنه من المقبول حدوث بعض التطورات المهمة خلال الشهر القادم في إطار مواصلة الجهود من أجل عملية نداء السلام، لذلك لم يكن غريباً أن يتطرق خطاب وبيان القائد الكردي عبد الله أوجلان عند تحليله للأوضاع التي تجرى حالياً في منطقة الشرق الأوسط من حروب وصراعات ونزاعات، حيث يدعو البيان إلى الحوار ورافضاً للحل العسكري الذي يستنزف الجميع بما فيهم أطراف النزاع، مشيراً إلى أن الحل السياسي هو المخرج الوحيد المستدام.
ويضع البيان الدولة التركية والقوى الإقليمية أمام مسؤوليتها لفتح باب سجنه سياسياً وليس جسدياً عبر تبني خارطة طريق للسلام، كما أنه يأتي في ظل استقطابات إقليمية حادة مما يجعل الخطاب محاولة لإعادة تمحيص مسار الحداثة الديمقراطية.
ولا شك أن بيان النوروز 2026 من الناحية الفلسفية والسياسية جاء لاستهداف والتركيز على مشروع الأمة الديمقراطية بديلاً لمفهوم الدولة القومية، ويدعو إلى التعايش بين الشعوب سواء كانوا كرداً أو عرباً أو سرياناً أو أتراكاً ضمن إطار إدارة انتخابية ديمقراطية.
ويشدد الخطاب الأوجلاني على أن حرية الشعب الكردي مرتبطة عضوياً بديمقراطية الشرق الأوسط، حيث يرى أن الحل في المنطقة التي تجوبها الصراعات هو التوجه نحو الديمقراطية.
كما يركز خطاب احتفالات النوروز للقائد الكردي عبد الله أوجلان وبشكل مكثف على المجتمع المدني والشعوب بعيداً عن مراهنات القوى الدولية سواء كانت الأمريكية أو الروسية، ويصل إلى فكرة الحماية الذاتية فكرياً وتنظيمياً وصولاً إلى التطبيق، وجوهره الكونفدرالية الديمقراطية مع مراعاة أن يطرح الجوهر نموذجاً لا دولياً لضمان عدم تجاوز حدود الدول الحالية.
ويرى القائد الكردي عبد الله أوجلان أن الأزمة لا تزال محصورة في المركزية أو في المعارضة المريضة للخارج، والحل نابع من بناء مجتمع ديمقراطي محلي يحمي نفسه ذاتياً.
بالفعل، بيان القائد الكردي عبد الله أوجلان في عيد النوروز تجاوز الأبعاد الفلسفية والاستراتيجية ومجرد الاحتفال القومي ليحمل معاني ورسائل متعددة، لعل من أبرزها ما يتعلق بدلالة التوقيت والرمزية، حيث لم يعد خطابه في الاهتمام بالنوروز كبداية للعام الشمسي، بل يعتبره رمزاً للبعث الكردي، حيث يربط بين أسطورة كاوا الحداد وانتصاره على الظلم وبين المقاومة الجديدة.
ينبغي إدراك أن النوروز لا تكتمل فرحته إلا بتحرر المرأة من العقلية الأبوية، حيث يرى القائد الكردي عبد الله أوجلان أن تحرير المرأة هو تحرير للمجتمع، وتترسخ لديه قناعة بأهمية أن تتحرر من سلطة الرجل والدولة معاً، وأن ثورة المرأة هي جوهر الثورة الاجتماعية.
من زوايا العالم
منبر الرأي