بث تجريبي

د. حكيم عبدالكريم يكتب: وضع الكرد بين مفهوم الحرية وأزمة الحداثة الرأسمالية الأخلاقية

في التاريخ السياسي المعاصر، استُخدمت مفاهيم مثل "الحرية" و"الليبرالية" كأدوات فعالة من قبل نظام الحداثة الرأسمالية لإضفاء الشرعية على الهيمنة العالمية. لكن الوعود الوهمية التي قدمها هذا النظام للعالم ظهرت في منطقتنا كستار فقط لإخفاء المصالح الجيوسياسية؛ حيث لم يحصد الشعب الكردي والشعوب المظهدة من هذا النموذج الزائف سوى الدمار والتبعية الاقتصادية بدلاً من الحرية. إن الهجمات التي تشنها القوى المهيمنة، مثل إسرائيل وأمريكا، والتي تستهدف علانية المستشفيات والجسور والبنى التحتية المدنية، هي أكبر دليل على "إرهاب الدولة" وزيف ذلك النظام الذي يدعي حماية حقوق الإنسان؛ لأن ضرب المراكز الخدمية ليس مجرد انتهاك للقوانين الدولية، بل هو محاولة ممنهجة لكسر إرادة الشعوب وتقويض أسس حياتهم.

وفي خضم هذه المعادلة المريرة، تبرز الدولة التركية كنموذج صارخ وإجرامي لإرهاب الدولة، حيث تشن تحت غطاء التحالفات الدولية وبذريعة "حماية الأمن القومي" هجمات ممنهجة على البنية التحتية المدنية في "روج آفا" (غرب كوردستان) ومناطق أخرى من كوردستان. إن قصف محطات الكهرباء والمياه ومخازن القمح والمستشفيات يكشف الوجه الحقيقي لهذه السلطة التي تتحدث عن العدالة من جهة، وتدمر الحياة المدنية لشعب كامل من جهة أخرى. وفي الوقت ذاته، تقوم القوى الهيمنية بصياغة "قوائم الإرهاب" وفق مقاييس مصالحها الخاصة؛ فحين تصف حركة مثل "حزب العمال الكردستاني" (PKK) بالإرهاب بذريعة استهداف المدنيين والبنية التحتية، فإن ذلك يمثل ذروة التناقض، لأن الدول التي تتخذ هذا القرار هي نفسها التي تسببت بأكبر قدر من الدمار في البنية التحتية المدنية للمنطقة، وما هذا إلا محاولة لتشويه المعنى الحقيقي للنضال المشروع.

إن التجربة التاريخية لتعامل الكرد مع الدول الغربية أوصلت القناعة الكردية إلى ضرورة النظر لهذه القوى بعين الريبة دائماً؛ فقد أثبت التاريخ أن الغرب لا يدعم الكرد إلا عندما تقتضي مصالحه ذلك، وهو مستعد في أي وقت لتقديم الكرد كضحية للمحتلين، كما رأينا في "جمهورية مهاباد"، واحتلال "عفرين"، وأحداث "السادس عشر من أكتوبر" في جنوب كوردستان، حيث تُرِك الكرد وحيدين أمام طاحونة مصالح القوى الكبرى. وفي قلب هذه المؤامرات، يجب على الكرد اغتنام كل فرصة تلوح في الأفق بدقة لترسيخ خارطة طريق الحرية والديمقراطية، والبروز كفاعل مستقل وصاحب إرادة في المعادلات، وبناء نموذج ديمقراطي بديل يستند إلى إرادة الشعب لا إلى وعود الغرب الوهمية؛ لأن الحرية الحقيقية هي نتاج وعي سياسي قادر على بناء كيان ديمقراطي وحر في خضم الهجمات والمؤامرات، وفقط من خلال هذا الطريق يمكن للكرد مواجهة إرهاب الدولة وتثبيت حقوقهم التاريخية.

 

قد يهمك