تتزايد الدلائل على أن النظام الدولي القائم يقترب من لحظة اختبار فارقة، في ظل تصاعد حدة التوتر بين الولايات المتحدة والصين بشأن تايوان، وتغير موازين القوة الاقتصادية والعسكرية، إلى جانب التحولات العميقة في سلاسل الإمداد العالمية، وفي هذا السياق، طرحت صحيفة «ذا تليجراف» البريطانية تساؤلات لافتة حول مستقبل الهيمنة العالمية، ومدى قدرة واشنطن على ردع بكين داخل محيطها الإقليمي المباشر.
لطالما احتدم الجدل حول قدرة الولايات المتحدة على منع الصين من الإقدام على غزو تايوان إذا قررت بكين اتخاذ هذه الخطوة، ويتقاطع هذا النقاش مع تساؤل أوسع يتعلق بقدرة الحزب الشيوعي الصيني على إنهاء ما يُعرف بـ«السلام الأمريكي»، الذي شكّل أساس النظام الدولي لعقود، في ظل تحولات متسارعة قد تتجسد ملامحها في وقت قريب.
ويتزامن هذا السجال مع زيارة رئيس الوزراء البريطاني، السير كير ستارمر، إلى بكين هذا الأسبوع، حيث يلتقي الرئيس الصيني شي جين بينج، في وقت تشهد فيه البيئة السياسية العالمية تغيرات عميقة تجري بعيدًا عن الأضواء.
شهد الأسبوع الماضي تطورًا لافتًا تمثل في وصول سفينة شحن عملاقة تُدعى «وينينج يوث» إلى الصين، محملة بنحو 200 ألف طن من خام الحديد. وتُعد الصين أكبر مستورد لخام الحديد في العالم لتلبية الطلب الهائل على صناعة الصلب، إذ تعتمد عادة على أستراليا التي توفر نحو 64% من وارداتها، والبرازيل بنسبة 22%.
غير أن شحنة «وينينج يوث» حملت دلالة مختلفة، كونها أول شحنة من رواسب مشروع سيماندو العملاق في غينيا بغرب إفريقيا. ويُعد المشروع، الذي يضم مناجم ضخمة وخط سكة حديد يمتد إلى الساحل وميناءً مخصصًا عند مصب نهر موريبايا، أحد أضخم المشروعات المشتركة في العالم، ووفقًا لمؤسسة «دروري» للتحليلات، تتمتع الكيانات الصينية بنفوذ إستراتيجي واسع داخل المشروع، من خلال ملكية المناجم والسيطرة المشتركة على البنية التحتية.
ورغم أن المشروع لم يبلغ بعد طاقته التشغيلية الكاملة، حيث استغرق تحميل السفينة نحو ثلاثة أسابيع، فإن التقديرات تشير إلى نمو سريع قد يرفع حجم الشحنات إلى 120 مليون طن سنويًا، يُرجح أن تتجه الغالبية العظمى منها إلى الصين، ما من شأنه تقليص اعتماد بكين على الموردين التقليديين.
تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لارتباطها الوثيق بملف تايوان، إذ يرى محللون أن هيمنة أستراليا على إمدادات خام الحديد شكّلت أحد عوامل الردع غير المباشرة أمام أي تحرك عسكري صيني واسع، نظرًا لإمكانية وقف الشحنات وما قد يترتب على ذلك من أضرار جسيمة للصناعة الصينية. غير أن تدفق الخام من مشروع سيماندو قد يقلل من فاعلية هذا العامل خلال السنوات المقبلة.
في المقابل، تشهد منطقة مضيق تايوان تصعيدًا عسكريًا مستمرًا، حيث باتت المناورات الصينية توصف بأنها بالغة الخطورة، فيما يرى بعض المراقبين أن أزمة مضيق تايوان الرابعة دخلت فعليًا حيز التنفيذ منذ عام 2022، وتأتي زيارة ستارمر لبكين في هذا السياق المشحون، وسط مساعٍ بريطانية معلنة لإحياء ما يُعرف بـ«العصر الذهبي» للعلاقات الاقتصادية مع الصين.
غير أن المواقف البريطانية تبدو متناقضة، إذ سمحت لندن بإنشاء سفارة صينية ضخمة جديدة، في خطوة وصفتها «ذا تليجراف» بأنها «خيانة مخزية»، في الوقت الذي تشارك فيه بريطانيا ضمن ترتيبات عسكرية غربية تهدف إلى احتواء النفوذ الصيني.
تشير تقديرات متعددة إلى أن أي صراع عسكري في محيط تايوان سيضع القوات الأمريكية في موقف عملياتي شديد التعقيد، بسبب بعدها الجغرافي عن قواعدها مقارنة بالقوات الصينية. وفي حال اندلاع غزو برمائي، قد تنجح الغواصات الأمريكية أو الحليفة في إلحاق خسائر فادحة بالأسطول الصيني، لكنها ستواجه تحديات كبيرة تتعلق بإعادة التسلح واستدامة العمليات القتالية.
وتعزز هذه المعطيات ما خلص إليه تقرير مسرب من وزارة الدفاع الأمريكية، عُرف باسم «موجز التفوق»، واستند إلى سنوات من المناورات العسكرية والتقديرات الاستخباراتية، مشيرًا إلى احتمال تعرض الولايات المتحدة لهزيمة حاسمة في حال تدخلها المباشر لصد غزو صيني لتايوان.
ورغم تشكيك بعض الأطراف في دوافع هذه التقارير، فإن نماذج أعدها مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية تشير إلى سيناريوهات بالغة الكلفة للطرفين، حيث قد تنجح واشنطن في نهاية المطاف في منع الغزو، لكن بثمن عسكري واقتصادي يُعد الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية.
القصة كاملة