يُنظر إلى اتفاق العاشر من آذار بوصفه محطة مرجعية في مسار التفاهمات بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ودمشق، إذ شكّل أول محاولة جادة لوضع إطار تفاوضي واضح، غير أن الاتفاق سرعان ما تعثّر بفعل عقبات سياسية وأمنية معقّدة، أعادت طرح التساؤلات حول فرص إحيائه، وإمكانية تجاوز العوامل التي حالت دون تنفيذه.
أبرز أسباب التعطيل، بحسب متابعين، يتمثل في سياسات حكومة الجولاني المؤقتة، التي تتعمّد عرقلة أي مسار تفاوضي قد يفضي إلى تقارب بين قسد ودمشق، فالجولاني يدرك أن أي تفاهم بين الطرفين سيؤدي إلى تقليص نفوذه، وإعادة رسم خريطة القوى في الشمال السوري على نحو يهدد موقعه كقوة أمر واقع.
وفي هذا السياق، عملت جهات مرتبطة به على إطلاق حملات إعلامية وسياسية للتشكيك في نوايا قسد، وتصوير أي تقارب مع دمشق على أنه تهديد لمصالح المكونات المحلية، في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى منع تشكّل أي محور يحد من قدرته على المناورة.
تشكل مسألة دمج قوات قسد ضمن هيكلية الجيش السوري إحدى أعقد القضايا الخلافية. فالحكومة المؤقتة تصر على نموذج دمج كامل يخضع لقيادة مركزية، في حين تتمسك قسد بصيغة تضمن لها هامشًا من الاستقلالية، وتحافظ على خصوصية تجربتها العسكرية والأمنية التي تبلورت خلال سنوات الحرب ضد تنظيم داعش.
وتخشى قسد من مخاطر الاختراق، خاصة في ظل اتهامات بتجنيس مقاتلين أجانب وإدماجهم في مؤسسات أمنية وعسكرية، ما يشكّل، برأيها، تهديدًا لا يطالها وحدها، بل أمن الدولة السورية ككل. ويعكس هذا التباين اختلافًا جذريًا في الرؤى، حيث ترى الحكومة المؤقتة في الدمج وسيلة لاستعادة السيطرة على الشمال الشرقي.
إلى جانب ذلك، يبرز الحديث عن نظام انتقالي محتمل كعامل إضافي يعقّد المفاوضات. فدمشق تبدو أقل استعدادًا لتقديم تنازلات في ظل احتمالات التغيير السياسي، إذ تراهن على أن أي مرحلة انتقالية قد تعيد ترتيب موازين القوى لصالحها لاحقًا.
في المقابل، ترى قسد أن تأجيل الاتفاق قد يضعها أمام واقع سياسي جديد لا يضمن لها دورًا واضحًا في مستقبل البلاد، خاصة مع تبنّي سياسات إقصائية ذات طابع ديني، وعلاقات إقليمية غالبًا ما تأتي على حساب الاستقرار الوطني.
لا يمكن تجاهل الدور التركي في هذا السياق، إذ تعتبر أنقرة أي تقارب بين قسد ودمشق تهديدًا مباشرًا لاستراتيجيتها في الشمال السوري. فهي تخشى أن يؤدي ذلك إلى تعزيز موقع الإدارة الذاتية وتقوية النفوذ الكردي على حدودها، إضافة إلى إفشال محاولات التغيير الديموغرافي.
ولهذا، تعمل تركيا على تعطيل المسار التفاوضي عبر أدوات متعددة، تشمل الضغط العسكري والسياسي، ودعم فصائل محلية تتبنى خطابًا معاديًا لقسد.
تعتبر سياسة المماطلة التي تنتهجها بعض الأطراف تتجاوز كونها تكتيكًا تفاوضيًا، لتعبّر عن أهداف استراتيجية أعمق. فالجولاني يراهن على الوقت لإضعاف قسد وفرض شروط أكثر تشددًا، بينما تراهن أنقرة على استمرار عدم الاستقرار لمنع أي صيغة سياسية تعزز النفوذ الكردي.
وبذلك، تتحول المفاوضات إلى ساحة صراع غير مباشر بين أطراف متعددة، لا مجرد حوار ثنائي بين قسد ودمشق.