تشهد الحلبة السياسية والأمنية في إسرائيل منزلقاً معقداً يجمع بين أزمتي الشرعية الدستورية والجاهزية العسكرية الميدانية، وهو المشهد الذي هيمن بشكل مطلق على افتتاحيات وتحليلات الصحف العبرية الصادرة اليوم الاثنين 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
وتتداخل في هذا المشهد اتهامات غير مسبوقة بالتزوير موجهة للمنظومة القضائية والانتخابية، مع تحذيرات استخباراتية بالغة الحساسية تضع جدوى العمليات العسكرية المستمرة في غزة والضفة الغربية على محك التقييم، وسط ضغوط دبلوماسية متزايدة من واشنطن لفرض مسار التهدئة الإقليمية.
وفي هذا السياق، تسلّط صحيفة "يديعوت أحرونوت" الضوء على أزمة كسر عظم غير مسبوقة تعيشها المؤسسات الدستورية الإسرائيلية في جولة الانتخابات الحالية، حيث تركز العناوين الرئيسة للصحيفة على الهجوم العنيف الذي يشنه حزب الليكود على لجنة الانتخابات المركزية.
ويصر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على أن النتائج مشوبة بالتزوير، موجهاً أصابع الاتهام مباشرة إلى نسب التصويت المرتفعة في المجتمع العربي ومتهماً أطرافاً إقليمية بالتدخل لصالح إسقاط اليمين.
والخطير في معالجة الصحيفة هو التركيز على "بيان التحذير" المشترك الذي صدر عن قاضي محكمة العدل العليا ورئيس الشاباك.
واعتبرت الصحيفة أن خروج هذه الشخصيات الأمنية والقضائية إلى العلن يمثل مؤشراً على وجود مخاوف حقيقية من اندلاع اضطرابات مدنية أو عصيان من قبل جماعات اليمين المتطرف التي ترفض الإقرار بالهزيمة السياسية .
وفي مقابل ذلك، تبرز صحيفة "جيروزاليم بوست" في معالجاتها تفاصيل التحركات المتسارعة داخل أروقة ما يُعرف بـ "معسكر التغيير".
وأشارت الصحيفة إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً خلف الكواليس هو نجاح رئيس أركان الجيش الأسبق، غادي آيزنكوت، في انتزاع توصية أغلبية أعضاء الكنيست لتشكيل الحكومة المقبلة، مدعوماً بتحالف علني مع نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان .
وتنقل الصحيفة عن مصادر في حزب "إسرائيل بيتنا" أن التفاهمات الحالية لا تركز على توزيع الحقائب الوزارية بقدر ما تركز على صياغة "رزمة تشريعية" عاجلة.
وتهدف التشريعات إلى تحصين النظام السياسي، وعلى رأسها تغيير رئيس الكنيست الحالي فور أداء اليمين القانونية، وتمرير قانون يمنع أي عضو كنيست واجه لوائح اتهام جنائية من الحصول على التكليف بتشكيل الحكومة، وهو ما يعني عملياً إقصاءً قانونياً لنتنياهو من المشهد المستقبلي.
وعلى الصعيد العسكري والعملياتي، أفردت صحيفة "هآرتس" مساحات واسعة لتقييمات استخباراتية وصفتها بالصادمة والمقلقة للمستويين السياسي والعسكري.
ويكشف التقرير الذي خطّه المحلل العسكري للصحيفة عن اعترافات داخل المنظومة الأمنية تفيد بأن التدمير البنيوي الذي لحق بحركة حماس في قطاع غزة خلال الفترات الماضية لم يمنعها من إعادة ترميم شبكات تصنيع الصواريخ المحلية .
وبحسب مصادر الاستخبارات التي نقلت عنها "هآرتس"، فإن الحركة استغلت فترة "الانتظار السياسي" في إسرائيل وغياب خطة واضحة لإدارة القطاع مدنياً، لتُعيد بناء ورش تصنيع تحت الأرض واستعادة مخزونها الصاروخي التكتيكي؛ ما يضع تقديرات الجيش السابقة حول "الردع الطويل" في موضع شك كبير.
وفي السياق العسكري المرتبط بالضفة الغربية، كشفت "هآرتس" عن وثيقة توصية سرية جرى تسريبها من قيادة المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي موجهة إلى وزير الدفاع إسرائيل كاتس.
وتطلب الوثيقة بلهجة حاسمة إنهاء الحصار العسكري المفروض على مدينة الخليل، معتبرة أن العمليات المستمرة هناك باتت تشكل عبئاً لوجستياً وبشرياً على قوات الاحتياط دون تحقيق أي أهداف استخباراتية جديدة.
وتوضح الصحيفة أن دافع الجيش وراء هذا الانسحاب ليس سياسياً، بل يتعلق بإعادة توزيع القوات لتأمين الفعاليات الاستيطانية الضخمة المقررة الأسبوع المقبل في الخليل، بالإضافة إلى رغبة القيادة الشمالية في الحفاظ على جهوزية تامة على الحدود اللبنانية، تحسباً لأي تدهور مفاجئ مع إيران وحزب الله في ظل ضغوط واشنطن لوقف التصعيد الشامل والتركيز على المسارات الدبلوماسية.
ولم يكن الداخل الإسرائيلي أهدأ حالاً في الصحافة العبرية؛ إذ رصدت مواقع الصحف تفاعلات "قنبلة التجنيد" الموقوتة.
ووصفت التقارير الإخبارية الصدامات التي وقعت في الأحياء المتدينة في القدس بـ "المعركة على هوية الدولة".
الصحافة العبرية اعتبرت تصريحات قادة الأحزاب الحريدية، مثل يهودت هتوراة وشاس، بمثابة إعلان قطيعة مع الليكود إذا لم يتم التدخل فوراً لإطلاق سراح المعتقلين وإقرار قانون يعفي طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية.
هذا الإعلان يراه مراقبون مستحيلاً في ظل التركيبة البرلمانية الحالية، مما يعني تفككاً كاملاً لكتلة اليمين التاريخية.
وفي الشق الدبلوماسي، حظيت التسريبات المتعلقة بالفجوة الآخذة في الاتساع بين تل أبيب وواشنطن باهتمام بالغ.
وأجمع المحللون في "يديعوت أحرونوت" و"جيروزاليم بوست" على أن الاتصال الأخير بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ونتنياهو حمل مؤشرات واضحة على تغيير في الأولويات الأمريكية.
ويرى المحللون أن ضغط البيت الأبيض باتجاه التهدئة الإقليمية وتأمين الممرات البحرية في الخليج العربي، بينما يرى الائتلاف اليميني في إسرائيل أن الضغط العسكري المباشر على طهران يجب أن يستمر، وهو الخلاف الذي تخشى الأوساط السياسية الإسرائيلية أن يتحول إلى عزلة دولية أعمق إذا ما أصرت الحكومة الحالية على تبني خيارات عسكرية منفردة دون غطاء أمريكي كامل.