بث تجريبي

بريطانيا تبحث عن إعادة ضبط علاقتها بأوروبا وسط جدل حول حرية التنقل

تتجه الحكومة البريطانية نحو بحث خيارات جديدة لتعزيز العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، في خطوة قد تعيد فتح ملف حرية تنقل الأفراد بين الجانبين، بعد سنوات من خروج المملكة المتحدة من التكتل الأوروبي وتزايد الجدل بشأن التداعيات الاقتصادية والسياسية لقرار الانفصال.

وأبدى رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام انفتاحًا على مناقشة إعادة اعتماد قواعد حرية التنقل الأوروبية، مؤكدًا ضرورة إجراء نقاش صريح بشأن التحولات التي شهدتها الهجرة إلى المملكة المتحدة منذ خروجها من الاتحاد الأوروبي.

وتأتي هذه التصريحات قبيل القمة المرتقبة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي في بروكسل خلال نوفمبر المقبل، حيث يُتوقع أن يبحث الجانبان عددًا من الملفات، من بينها تجارة الأغذية والمشروبات وبرامج تنقل الشباب، إلى جانب سبل تعزيز التعاون المستقبلي.

تداعيات بريكست تعيد الجدل إلى الواجهة

غادرت بريطانيا الاتحاد الأوروبي رسميًا في يناير 2020، عقب استفتاء عام 2016 الذي أيد فيه البريطانيون الانفصال بفارق ضئيل. وأدى القرار إلى إنهاء حرية التنقل بين المملكة المتحدة ودول الاتحاد، وفرض ترتيبات جديدة على حركة الأفراد والتجارة والعلاقات التنظيمية بين الطرفين.

ورغم استعادة لندن سلطات تشريعية وتنظيمية واسعة خارج مؤسسات الاتحاد الأوروبي، فإن تداعيات الانفصال أعادت إثارة تساؤلات بشأن انعكاساته على الاقتصاد والتجارة وسوق العمل، فضلًا عن طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تربط بريطانيا بشركائها الأوروبيين خلال السنوات المقبلة.

وفي هذا السياق، قال بيرنهام، الذي سبق أن طرح احتمال تقدم بلاده بطلب للانضمام مجددًا إلى الاتحاد الأوروبي في المستقبل، إن النقاش بشأن الهجرة يجب أن يتناول التغيرات التي طرأت على أنماط انتقال الأفراد منذ تطبيق ترتيبات ما بعد بريكست.

وأوضح، في تصريحات لصحيفة «صنداي تايمز»، أن طبيعة الهجرة إلى بريطانيا تغيرت منذ مغادرتها الاتحاد الأوروبي، مشيرًا إلى اختلاف أنماط التنقل السابقة، التي كان بعض الأشخاص ينتقلون بموجبها إلى المملكة المتحدة لفترات ثم يعودون إلى بلدانهم الأصلية.

وأضاف أن التوازن في أنماط الهجرة شهد تغيرًا منذ الانفصال، داعيًا إلى مناقشة هذه التحولات بصورة صريحة، في ظل استمرار الهجرة ضمن الملفات الأكثر حساسية في السياسة البريطانية.

حرية التنقل بين الحسابات السياسية والضغوط الداخلية

احتل ملف الهجرة موقعًا بارزًا في حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي، إذ استند مؤيدو الانفصال إلى تعهدات باستعادة السيطرة على الحدود وسياسات الهجرة. وأسهمت هذه القضية، إلى جانب اعتبارات السيادة والتجارة، في حشد التأييد لمغادرة التكتل خلال استفتاء 2016.

لكن إعادة طرح مسألة حرية التنقل تكشف عن استمرار الخلاف بشأن الحصيلة الفعلية لبريكست، وحدود قدرة الحكومة البريطانية على تعزيز علاقاتها بأوروبا دون التراجع عن المبادئ التي استند إليها مؤيدو الانفصال.

وكان حزب العمال قد استبعد، ضمن برنامجه الانتخابي الذي خاض به كير ستارمر انتخابات 2024، العودة إلى حرية التنقل أو الانضمام إلى السوق الموحدة والاتحاد الجمركي. ويعني ذلك أن أي تحول جوهري في العلاقة مع الاتحاد الأوروبي قد يتطلب تفويضًا سياسيًا وشعبيًا أوسع، لا سيما إذا تجاوز حدود الاتفاقات القطاعية والتعاون المحدود.

ومن المتوقع أن تشكل الانتخابات العامة المقبلة، التي لا يُنتظر إجراؤها قبل عام 2029، محطة مهمة في تحديد اتجاه السياسة البريطانية تجاه أوروبا، إذا قررت الحكومة طرح تغييرات جوهرية على الناخبين.

وفي المقابل، استبعد بيرنهام أن يوصي بانضمام بريطانيا إلى العملة الأوروبية الموحدة «اليورو» أو إلى منطقة شنغن، التي تتيح التنقل عبر الحدود الداخلية للدول المشاركة فيها، مؤكدًا أن مثل هذه الخطوات لا تمثل جزءًا من تصوره للعلاقة المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي.

فاراج يتهم الحكومة بالتراجع عن مكاسب بريكست

في المقابل، أثارت تصريحات رئيس الوزراء انتقادات من نايجل فاراج، زعيم حزب «ريفورم يو كي» المناهض للهجرة، الذي وصف الانفتاح على حرية التنقل بأنه «خيانة كاملة لبريطانيا ما بعد بريكست».

ويعكس هذا الموقف استمرار الانقسام السياسي حول مستقبل العلاقة مع أوروبا، بين تيار يرى أن توسيع التعاون قد يساعد في معالجة بعض التداعيات الاقتصادية والتنظيمية للانفصال، وآخر يعتبر أي عودة إلى قواعد حرية التنقل تراجعًا عن أحد أبرز تعهدات حملة الخروج.

ومن المنتظر أن يلتقي المسؤولون البريطانيون وقادة الاتحاد الأوروبي في 20 نوفمبر المقبل، وسط آمال بالتوصل إلى تفاهمات بشأن تجارة الأغذية والمشروبات وتنقل الشباب وملفات أخرى. وقد تشكل نتائج القمة مؤشرًا على مدى استعداد الطرفين للانتقال من التعاون المحدود إلى صيغة أكثر عمقًا للعلاقات، دون أن يعني ذلك بالضرورة العودة إلى عضوية الاتحاد الأوروبي أو استعادة حرية التنقل بصورتها السابقة.

قد يهمك