لا تزال الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مستمرة للشهر السابع، في ظل تصاعد الخلافات داخل القيادة الإيرانية بشأن المسار الذي ينبغي اتباعه للخروج من الأزمة، بين العودة إلى المفاوضات مع واشنطن أو المضي نحو التصعيد العسكري.
وبحسب مسؤولين نقلت عنهم صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، كان الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان في ذروة قوته مطلع يوليو الماضي، بعد نجاح فريقه في التفاوض على اتفاق سلام مع الولايات المتحدة، قبل أن تتغير المعادلة إثر إطلاق القوات الإيرانية النار على ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز.
وأدى الهجوم إلى إفشال جهود إنهاء العداء مع واشنطن وإعادة فتح الطريق أمام معالجة الأزمة الاقتصادية الإيرانية المتفاقمة.
هجوم سري
ووفق المسؤولين، لم يكن معظم قادة إيران على علم بتحرك الفصيل المتشدد الذي يقف وراء الهجوم، مستفيدًا من غياب المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، الذي تولى منصبه في مارس الماضي ولم يظهر أو يسمع صوته منذ ذلك الحين.
وعقب استهداف السفن الثلاث، عاد بيزشكيان إلى طهران بصورة عاجلة، قبل أن تنفذ الولايات المتحدة في صباح اليوم التالي غارات جوية على إيران، لتعود المواجهات بين البلدين.
وأدت تداعيات الأزمة إلى تغييرات داخل مجلس الأمن القومي الإيراني، شملت تعيين الجنرال محسن رضائي رئيسًا للمجلس، بقرار من المرشد الإيراني، باعتباره سياسيًا مخضرمًا وقائدًا سابقًا للحرس الثوري، وكان يُنظر إليه باعتباره قادرًا على التوسط بين الفصائل المتنافسة داخل السلطة.
وكشفت تحقيقات أجرتها الحكومة وأجهزة الأمن الإيرانية، وفق المسؤولين الذين نقلت عنهم الصحيفة الأمريكية، أن قرار استهداف السفن الثلاث صدر عن رجل الدين حسين طائب.
وكان طائب، الرئيس السابق لجهاز استخبارات نافذ، من أبرز المعارضين لاتفاق السلام مع الولايات المتحدة منذ بدايته، كما أبلغ المرشد الجديد، بحسب المسؤولين، بأن إيران ارتكبت خطأ بإنهاء الحرب والموافقة على الاتفاق.
وفي خطاب ألقاه مؤخرًا أمام عائلات عسكريين، قال طائب إنه لا يعارض إجراء المحادثات، لكنه شدد على أن المفاوضات التي تتجاهل حقوق الشعب الإيراني وتستجيب لما وصفه بالمطالب المفرطة للعدو لا مكان لها في السياسة الإيرانية.
وكان مجتبى خامنئي قد عيّن طائب مؤخرًا رئيسًا لقوات الباسيج، المسؤولة عن قمع المعارضة الداخلية، بعدما شغل طائب سابقًا منصب رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري لأكثر من عقدين.
عندما طالب بيزشكيان بمعرفة الجهة التي نفذت الهجوم على السفن الثلاث، أُبلغ بأن قادة ميدانيين تصرفوا بصورة مستقلة، استنادًا إلى أمر يتيح لهم مهاجمة أي سفينة تنتهك ما تعتبره إيران سيطرتها على المضيق، من دون انتظار موافقة القيادة المركزية.
ولم تصدر قيادة خاتم الأنبياء التابعة للحرس الثوري بيانًا تتبنى فيه مسؤولية هجوم 7 يوليو، على خلاف ما جرت عليه العادة في هجمات سابقة ولاحقة.
كما نقل مسؤولون إيرانيون الرواية نفسها إلى الولايات المتحدة وعدد من حلفائها الإقليميين عقب الهجوم مباشرة، متحدثين عن عناصر مارقة تتحمل المسؤولية، وفق مسؤولين أمريكيين أطلعوا صحفيين على تفاصيل الواقعة، إلى جانب ثلاثة مسؤولين إيرانيين.
وفي محاولة لاحتواء التوتر، أرسل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى سلطنة عمان، التي تؤدي دور الوسيط الرئيسي بين طهران وواشنطن.
وفي الوقت نفسه، شن المتشددون في الشوارع وعبر وسائل الإعلام الرسمية هجومًا علنيًا على فريق التفاوض والاتفاق الذي توصل إليه، فيما رددت حشود خلال تجمعات ليلية هتافات تطالب باستئناف الحرب.
وفي الشهر الماضي، قال بيزشكيان إنه عقد اجتماعًا مع المرشد الإيراني استمر سبع ساعات، موضحًا في حديث للتلفزيون الرسمي أن النقاش تناول مختلف القضايا التي تواجه البلاد، ومنها القدرة على تحمل التكاليف والبطالة والعقوبات والوحدة والصمود خلال الحرب.
لكن الرئيس الإيراني لم يكشف تفاصيل الاجتماع أو مضمون ما قاله المرشد، فيما ظل غياب صورة واضحة عن طبيعة التواصل مع مجتبى خامنئي أحد مصادر التوتر داخل القيادة الإيرانية، بالتزامن مع استمرار الخلاف بشأن اتفاق السلام مع واشنطن.
ومع استمرار الغموض بشأن موقف المرشد، واصل الفصيل المتشدد الضغط باتجاه التصعيد، بينما ظل الاتفاق الذي تفاوض عليه فريق بيزشكيان عرضة لهجمات المتشددين في الشارع ووسائل الإعلام الرسمية.
خيارات الحرب
وخلال الأسابيع الماضية، بحث القادة السياسيون والجنرالات الذين يديرون إيران خيارين للخروج من حالة الجمود مع الولايات المتحدة، وفق المسؤولين.
يقضي الخيار الأول بمحاولة العودة إلى المفاوضات، بينما يعتمد الثاني على تصعيد الهجمات ضد أهداف أمريكية.
وتتضمن خطة التصعيد استهداف السفن الحربية الأمريكية وقتل جنود أمريكيين، إلى جانب رفع أسعار النفط العالمية، في محاولة لإنهاء الحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الجنوبية الإيرانية، والذي أدى إلى شل التجارة ودفع مبيعات النفط إلى مستويات الصفر.
وقال مسؤولون وعضوان في الحرس الثوري إن جنرالات متشددين، من بينهم العميد سيد ماجد موسوي، قائد القوات الجوية والفضائية التابعة للحرس الثوري، ضغطوا باتجاه خيار المواجهة.
وأبلغ هؤلاء الجنرالات مجلس الأمن القومي بأنهم أعدوا خطة حرب مفصلة، تشارك فيها أذرع إيران المتحالفة معها، وعلى رأسها جماعة الحوثي في اليمن وجماعات شيعية مسلحة في العراق، بهدف تكثيف الهجمات وتوسيع نطاقها، بما يشمل استهداف منشآت النفط في المنطقة.
وتهدف الخطة إلى توسيع نطاق الحرب ورفع تكلفتها على الولايات المتحدة وحلفائها، لكن بيزشكيان والجنرال محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان وكبير المفاوضين مع واشنطن، حذرا من أن التصعيد قد يدفع البلاد نحو الهاوية.
وأشار المسؤولان إلى أن التصعيد قد يؤدي إلى شن الولايات المتحدة غارات جوية أكثر شدة وفرض ضغوط اقتصادية أشد على إيران.
وبحلول السبت الماضي، كان الفصيل المتشدد قد تمكن من تحقيق الأفضلية داخل هذا الصراع، وفق المسؤولين.
وقال مهدي محمدي، كبير مستشاري الجنرال قاليباف: «دخلت الحرب بين إيران والولايات المتحدة مرحلة التصعيد».