تزامنًا مع التحولات السياسية والأمنية المتسارعة التي تشهدها سوريا، تبرز ملفات دمج قوات سوريا الديمقراطية "قسد" ومؤسسات الإدارة الذاتية، والحقوق الكردية، وشكل الدولة والدستور، باعتبارها من أبرز القضايا المطروحة في مسار بناء سوريا الجديدة.
وفي هذا السياق، أكدت إلهام أحمد، عضوة مجلس الشعب السوري والدبلوماسية الكردية، أن الوصول إلى سلام واستقرار دائمين في البلاد يتطلب ضمان الحقوق والحريات دستوريًا، مشددة على أن الاعتراف بالهوية واللغة والثقافة الكردية لا يمثل تهديدًا لوحدة سوريا، وإنما يمكن أن يكون عاملًا لتعزيزها وترسيخ الاستقرار فيها. كما شددت على ضرورة أن تكون كافة مكونات سوريا متساوية في الحقوق والمكانة.
وفي مقابلة لها، تناولت إلهام أحمد آخر التطورات السياسية في سوريا، ومسار دمج قوات سوريا الديمقراطية ومؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة، إلى جانب مستقبل الحقوق الكردية والمرأة والدستور والعلاقات بين سوريا وتركيا. وقالت إن اتفاق 29 كانون الثاني شكّل أرضية مهمة لتحقيق وقف إطلاق نار دائم، وفتح الطريق أمام خطوات باتجاه الاندماج.

دمج قوات قسد
وأوضحت أن عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية "قسد" ضمن الجيش السوري قطعت مرحلة مهمة، مشيرة إلى أن قوات الأمن الداخلي بدأت أيضًا إجراءات التسجيل والانضمام إلى مؤسسات الأمن الداخلي، فيما لا تزال عملية دمج مؤسسات وهيئات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة مستمرة.
وأضافت أن الإعلان عن اكتمال عملية الاندماج جاء بعد خطوات عملية ومفاوضات واجتماعات مع دمشق، مؤكدة أن قوات سوريا الديمقراطية أصبحت رسمياً جزءاً من الجيش السوري، ولم تعد تتمركز في المنطقة كقوة مستقلة، معتبرة ذلك "خطوة مهمة للانتقال إلى مرحلة سياسية".
ملف اللغة الكردية
وفيما يتعلق بالتعليم باللغة الكردية، أكدت إلهام أحمد أن تطلعات الكرد كانت تتمثل في أن تصبح اللغة الكردية لغة التعليم والتدريس، موضحة أن القرار الأخير اعترف بالكردية كلغة وطنية، لكنه لم يمنحها صفة اللغة الرسمية للدولة.
وانتقدت تقييد التعليم باللغة الكردية بثلاث ساعات، معتبرة أن ذلك لا يلبي تطلعات الشعب الكردي ولا يتناسب مع المكاسب السابقة، وقالت إن القضية لا تتعلق بمجرد «مكسب»، بل هي «حق طبيعي».
وأشارت إلى أن القرار يتضمن تدريس عدد من المواد الأخرى باللغة الكردية، بينها الأنشطة والتاريخ والفلسفة
والجغرافيا، لافتة في الوقت نفسه إلى وجود تحديات مرتبطة بالترجمة والوقت والتطبيق العملي.
وأكدت أن أبناء الشعب الكردي يعترضون على تقييد تعليم لغتهم، ويطالبون بأن تكون اللغة الكردية لغة التعليم والتدريس بشكل كامل.
الضمانات الدستورية
وشددت السياسية السورية الكردية البارزة على أن السلام لا يمكن أن يكون دائمًا من دون ضمانات دستورية، وقالت إن السلام ليس مجرد القدرة على العيش بحرية في الأرض، بل يجب أن يكون محميًا بالدستور.
وأضافت: "إذا لم يُضمن السلام بالدستور، فلن يكون دائمًا"، مؤكدة أن الكرد يريدون الابتعاد عن الحرب وحل القضايا من خلال الحوار.
وأكدت أن الشعب الكردي لا يدعي أنه حصل على جميع حقوقه، لكنها شددت في الوقت ذاته على أنه لا يمكن القول إنه خسر كل شيء، معتبرة أن عيش الشعب في أجواء السلام وغياب الصراع يمثل بحد ذاته مكسبًا كبيرًا.
الاعتراف بالكرد ووحدة سوريا
وتطرقت في حديثها إلى حقوق الكرد في سوريا، حيث أكدت إلهام أحمد أن الاعتراف بوجود الكرد وهويتهم ولغتهم وثقافتهم يجب أن يكون جزءًا من بناء سوريا الجديدة.
وقالت إن الاعتراف بحقوق الكرد لا يؤدي إلى تقسيم سوريا، بل على العكس، يقوي الدولة والمجتمع السوريين، موضحة أن المواطن الكردي عندما يستطيع التعبير عن هويته بثقة وإيمان، فإن ذلك يعزز شعوره بالانتماء ويقوي سوريا.
وشددت على ضرورة أن يكون الكرد والعرب والسريان والتركمان والأرمن متساوين في الحقوق والمكانة، وأن ينعكس هذا الاعتراف في القوانين والدستور.
وأكدت أن الحقوق لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها منّة من الدولة، بل يجب أن تنظر الدولة إليها باعتبارها حقوقًا طبيعية للمواطنين، مشيرة إلى أن ضمانها بالقانون والدستور من شأنه أن يمنع عودة الصراعات والحروب.
تركيا وسوريا
وفي حديثها عن العلاقة بين التطورات في سوريا وتركيا، قالت أحمد إن لكل من البلدين خصوصيته، إلا أن هناك نقاطًا مشتركة عديدة في مقاربة القضية الكردية.
وأشارت إلى أن تركيا تتابع عن كثب التطورات المتعلقة بحل القضية الكردية في سوريا، بالتزامن مع وجود مسار سياسي للسلام في باكور.
وأكدت أن الحل في سوريا يجب أن يأخذ خصوصية المجتمع السوري والكرد في سوريا بعين الاعتبار، محذرة من اعتماد نموذج واحد للحل في جميع المناطق، ومشددة على ضرورة فتح المجال أمام السياسة الديمقراطية ومنع الاستفزازات.
وفي هذا السياق، أوضحت أن تركيا "لم تقنع نفسها بعد" بكيفية حل القضية الكردية، مشيرة إلى وجود توجه يرى أن الكرد يستطيعون ممارسة لغتهم وثقافتهم من دون ضمان ذلك دستوريًا.
وأكدت أن هذا الموقف يحتاج إلى التغيير، لأن الحقوق التي لا يحميها القانون والدستور يمكن أن تصبح عرضة للتراجع،
بينما يؤدي تحويلها إلى حقوق قانونية ودستورية إلى إنهاء الحاجة إلى السلاح.
اللا مركزية
وأشارت إلهام أحمد إلى أن طبيعة النظام السياسي في سوريا تمثل إحدى القضايا الأساسية في المرحلة المقبلة، متسائلة عن مدى ملاءمة الاتجاه نحو المركزية الشديدة.
وقالت إن هناك أصواتًا في إدلب ومحافظات سورية أخرى ترى أن الإفراط في المركزية ليس مناسبًا، مؤكدة أن منح المحافظات مساحة لتنظيم حياتها وإدارة شؤونها يمثل قضية ينبغي مناقشتها بجدية.
وشددت على ضرورة إجراء نقاشات «بلا خوف» حول شكل الدولة الجديدة، معتبرة أن قضايا المركزية واللامركزية من المسائل الدستورية التي ينبغي أن تكون حاضرة في عملية صياغة الدستور الجديد.
الوحدة الكردية مهمة في حل القضايا
وفيما يتعلق بالوحدة الوطنية الكردية، أكدت الدبلوماسية الكردية أن لكل جزء من كردستان خصوصيته نتيجة اختلاف الأنظمة والقوانين والسياسات، لكنها شددت على أهمية الوحدة والتعاون بين الكرد في الدفاع عن حقوقهم.
وقالت إن التحالف الكردي ودعم أجزاء كردستان المختلفة لبعضها البعض يمكن أن يكون له تأثير في مسارات الحل والسلام، مشيرة إلى أن المواقف الصادرة من مختلف الأطراف الكردية يمكن أن تؤثر في مواقف الدول.
وأكدت أن الوحدة الكردية مهمة جدًا من أجل الوصول إلى الحقوق والدفاع عنها، وخاصة في ظل العمليات السياسية الجارية في المنطقة.
دور المرأة في سوريا الجديدة
وحول دور المرأة، قالت أحمد إن سوريا تمتلك تاريخًا من نضال النساء وتنظيمهن، مشيرة إلى تأسيس العديد من المؤسسات والحركات النسائية بدعم من الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني أو بشكل مستقل.
وأكدت أن لدى النساء السوريات وعيًا متقدمًا، إلا أن النظام السياسي لم يفتح أبوابه بعد بالشكل الكافي أمام مشاركتهن.
وأشارت إلى وجود تجربة غنية في شمال وشرق سوريا، معتبرة أن النساء قادرات على لعب دور مهم في مستقبل سوريا، لكنها شددت على أن تحقيق ذلك يتطلب مواصلة النضال.
نحو دور سياسي ودستوري
وفيما يتعلق بدورها المرتقب في المرحلة الانتقالية، أوضحت إلهام أحمد أن مجال عملها لم يُحدد رسميًا بعد، مشيرة إلى أن من بين اللجان المهمة لجنة العلاقات الخارجية ولجنة إعداد الدستور.
وأكدت أن إعداد القوانين والدستور خلال المرحلة الانتقالية يمثل مهمة أساسية، وأن المشاركة في مؤسسات الدولة تفتح صفحة جديدة أمام الكرد للمشاركة في الحياة السياسية وبناء نظام يقوم على الحوار والحياة المشتركة.
كما شددت على أن الدستور والبرلمان سيكون لهما دور أساسي في ضمان التعليم باللغة الأم، إلى جانب تحديد دور المرأة وحقوقها في سوريا الجديدة.
زيارة أوجلان
وفيما يتعلق بإمكانية زيارة أنقرة ولقاء الزعيم الكردي عبدالله أوجلان، قالت أحمد إنهم يأملون تحقيق هذه الزيارة، مؤكدة أنهم طرحوا الموضوع مع إدارة دمشق.
وأوضحت أن اللقاءات يمكن أن تساهم في تطوير العلاقات، وفتح الحوار حول المشكلات المتبقية، إلى جانب تقديم الدعم لمسار السلام الجاري في باكور.
وأضافت أنه لم يتم حتى الآن تحديد أي شيء بشكل نهائي بهذا الخصوص.
وفي ختام حديثها، شددت أحمد على أهمية عامل الوقت، داعية إلى اتخاذ خطوات سريعة وشجاعة تبعث على الثقة وتدفع نحو الحل.
وقالت إنهم يأملون أن تواصل الدولة التركية خطواتها بمزيد من الشجاعة، وأن يتم التقدم نحو حل للقضية الكردية، كما جرى التوجه نحو الحل داخل سوريا.
وأكدت أن حل قضايا النساء والدمقرطة يمثلان قضيتين أساسيتين في المرحلة المقبلة، مضيفة: آمالنا كبيرة جدًا. نحن نؤمن بقوة النساء، ونؤمن بقوة المجتمعات، وأعتقد أننا سنبني معًا حياة مشتركة في نظام الدولة الجديد.