لا يتوقع خبراء ومحللون عسكريون أن تبدأ المواجهة المحتملة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي «الناتو» بغزو تقليدي أو تدفق أعداد كبيرة من الآليات العسكرية عبر الحدود، بل يرجحون أن تكون البداية عبر هجمات هجينة ومباغتة تستهدف البنية التحتية الحيوية.
وبحسب هذه السيناريوهات، قد تشمل الهجمات قطع كابلات الاتصالات وتعطيل شبكات الهواتف المحمولة، بالتزامن مع حملات تضليل إعلامي وتحركات لطائرات مسيرة مجهولة الهوية، بما يخلق حالة من الإرباك ويصعّب تحديد طبيعة الهجوم والجهة المسؤولة عنه.
وترى تحليلات صادرة عن مراكز دراسات أن هذا الأسلوب قد يمهد للسيطرة السريعة على مواقع استراتيجية، مثل الموانئ والمطارات أو مناطق حدودية، بواسطة عناصر مسلحة لا تحمل شارات عسكرية، فيما قد تبرر موسكو تدخلها بذريعة حماية الأقليات الناطقة بالروسية.
ولا يعني هذا السيناريو وجود خطة عسكرية مؤكدة لدى الكرملين، وإنما يعكس تصورًا لطريقة يمكن أن تستغل بها موسكو الفجوة الزمنية بين رصد أي توغل محتمل وتوافق دول الناتو على طبيعة الرد الجماعي.
وفقًا لتحليلات عسكرية، لن تكون روسيا بحاجة إلى هزيمة حلف الناتو بأكمله، إذ قد تسعى إلى السيطرة على هدف صغير لكنه شديد الأهمية الاستراتيجية، ثم تحصينه بالصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي.
وقد تضع هذه الخطوة الحلف أمام معضلة صعبة: هل تستحق استعادة منطقة محدودة الدخول في مواجهة عسكرية أوسع مع قوة نووية؟
وتبرز عدة نقاط ضغط استراتيجية يمكن أن تكون ذات أهمية في مثل هذا السيناريو، من بينها أرخبيل سفالبارد النرويجي، الذي يتمتع بدفاعات محدودة وموقع استراتيجي في القطب الشمالي، فضلًا عن وجود مستوطنة تعدين روسية فيه.
كما تبرز جزر أولاند الفنلندية، وهي منطقة منزوعة السلاح تقع في موقع مهم بين فنلندا والسويد، بما يمنحها أهمية بالنسبة إلى حركة الملاحة في بحر البلطيق.
أما جزيرة جوتلاند السويدية، فتتمتع بأهمية عسكرية محورية رغم تحصيناتها، إذ يمكن للسيطرة عليها أن تهدد خطوط إمداد الناتو وتعرقل عمليات تعزيز دول البلطيق، ولا سيما إستونيا ولاتفيا وليتوانيا.
وعلى الجبهة البرية، قد تتجه موسكو، وفق هذه التقديرات، إلى إرسال قوة صغيرة بملابس مدنية إلى منطقة حدودية على بحر البلطيق، تحت ذريعة حماية السكان الناطقين بالروسية، أو محاولة فتح ممر عبر ليتوانيا باتجاه منطقة كالينينغراد الروسية.
وقد تتخفى هذه التحركات تحت غطاء المناورات العسكرية، بما يسمح للقوات والسفن والطائرات بالاقتراب من أهدافها دون الكشف المبكر عن نواياها.
ستكون إحدى أبرز المعارك في الساعات الأولى هي تحديد طبيعة ما حدث، إذ ستعمل أجهزة الاستخبارات على تحليل صور الأقمار الصناعية والاتصالات المعترضة وبيانات الرادار وتقارير السلطات المحلية، لمعرفة ما إذا كانت موسكو تقف خلف العملية وما إذا كانت هناك هجمات أخرى قيد التنفيذ.
وفي الوقت نفسه، قد تشهد منصات التواصل الاجتماعي انتشار مقاطع مصورة مفبركة وروايات متضاربة، تتهم الناتو ببدء المواجهة أو تزعم أن السكان المحليين طلبوا التدخل الروسي.
كما يمكن أن يؤدي استهداف البنية التحتية إلى مضاعفة حالة الارتباك، خصوصًا مع اعتبار التخريب أحد أبرز مكونات «التهديد الهجين» في التقييمات الأمنية الأوروبية.
ويحذر الخبراء من أن أي تأخير، ولو لفترة قصيرة، قد يمنح القوات المهاجمة فرصة لتأمين مواقع استراتيجية مثل الموانئ والمطارات.
وبمجرد السيطرة عليها، سيتحول التحدي أمام الناتو من منع التوغل إلى محاولة استعادة الأراضي بالقوة، وهي مهمة أكثر خطورة من احتواء الهجوم في بدايته.
تستطيع الدولة التي تتعرض لهجوم طلب مشاورات عاجلة بموجب المادة الرابعة من معاهدة شمال الأطلسي، بما يسمح بعقد اجتماع للدول الأعضاء ومناقشة التهديد.
أما تفعيل المادة الخامسة، فيرتبط بالتأكد من وقوع «هجوم مسلح» يستدعي الدفاع الجماعي. وعلى عكس الاعتقاد الشائع، لا تعني المادة الخامسة إعلان حرب تلقائيًا، إذ تلتزم الدول الأعضاء بمساعدة الدولة المستهدفة، مع ترك طبيعة هذه المساعدة لكل حكومة وفق ما تراه مناسبًا.
وقد تشمل الاستجابة نشر قوات عسكرية أو طائرات، أو تقديم أسلحة ودعم لوجيستي وسيبراني، وهو ما يمنح الحلف مرونة في التعامل مع طبيعة الهجوم، لكنه في الوقت ذاته قد يخلق مساحة للخلاف بين الدول الأعضاء بشأن حجم الرد المطلوب.
ميدانيًا، ستتحرك القوات الموجودة بالقرب من موقع الهجوم أولًا، بينما تتولى المقاتلات مهام الدوريات الجوية، وتعمل القوات البحرية على حماية طرق الملاحة في بحر البلطيق وشمال الأطلسي.
ويملك الناتو مجموعات قتالية متعددة الجنسيات منتشرة على جناحه الشرقي، بهدف ضمان مشاركة قوات من عدة دول في أي مواجهة منذ مراحلها الأولى.
بعد الاستجابة الأولية، قد تتحول المواجهة إلى سباق لوجيستي لنقل القوات والمعدات والوقود إلى الجبهة الشرقية.
وتبرز ألمانيا باعتبارها مركزًا لوجيستيًا رئيسيًا في خطط الحلف، مع استعدادها لدعم عمليات نقل أعداد كبيرة من قوات الحلفاء، بمشاركة شركات النقل والمستشفيات ومشغلي البنية التحتية.
وفي المقابل، قد تصبح هذه الشبكات أهدافًا مباشرة للهجمات السيبرانية وأعمال التخريب، عبر تعطيل خطوط السكك الحديدية أو استهداف الجسور والموانئ، إضافة إلى استخدام الطائرات المسيرة لإرباك حركة الطيران في المطارات.
في سيناريو التصعيد، قد تعلن موسكو انتهاء عمليتها بعد تحقيق أهدافها الميدانية، وتطرح في الوقت نفسه إمكانية فتح مفاوضات، بالتزامن مع رفع جاهزية قواتها النووية لإيصال رسالة مفادها أن أي هجوم مضاد قد يؤدي إلى تصعيد أوسع.
وهنا سيواجه الناتو معضلة شديدة التعقيد؛ فقبول التفاوض قد يُنظر إليه باعتباره مكافأة للعدوان، بينما قد يؤدي شن هجوم مضاد إلى تصعيد مباشر بين قوتين نوويتين.
وتقوم الحسابات الروسية المفترضة في هذا السيناريو على اختبار قدرة الناتو على اتخاذ قرار سريع وموحد، واستغلال أي انقسام سياسي بين دوله.
ومع ذلك، لا توجد أدلة علنية تؤكد أن موسكو اتخذت قرارًا بشن مثل هذا الهجوم.
وأكد الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب أن أجهزة الاستخبارات لم ترصد أي مؤشر ملموس على غزو روسي وشيك، مشيرًا إلى إدراك موسكو لتفوق الناتو، فضلًا عن أن الخسائر التي تكبدتها في أوكرانيا تحد من قدرتها على فتح جبهة جديدة.
لكن قادة عسكريين ألمان حذروا في المقابل من أن روسيا قد تحتفظ بالقدرة على تنفيذ عملية محدودة جغرافيًا، وهو السيناريو الذي يثير أكبر قدر من القلق داخل الحلف.
وفي وقت سابق، أكد مسؤول في الناتو أن روسيا تكثف أعمال التخريب والهجمات الإلكترونية في أوروبا، لكنه شدد على أن الحلف لا يرى في الوقت الحالي تهديدًا وشيكًا بوقوع هجوم.
ودعا رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك إلى استعداد بلاده والناتو لمختلف السيناريوهات، مؤكدًا أنه لا يمكن استبعاد إمكانية قيام روسيا باستفزاز أحد أعضاء الحلف.
وفي سياق متصل، توجه جون راتكليف، مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية «CIA»، إلى روسيا لعقد اجتماع قصير مع نظرائه في أجهزة الاستخبارات.
وقال مصدران مطلعان لـ«رويترز» إن راتكليف ناقش خلال الاجتماع إمكانية شن روسيا عملية ضد أحد أعضاء الناتو، من دون أن يتضح ما إذا كان هذا الملف هو الغرض الوحيد من الزيارة.
وتنفي روسيا بشكل مستمر أي تورط في التخطيط لأعمال تخريبية أو شن هجمات داخل أوروبا، وتصف هذه الاتهامات بأنها محاولات غربية لإثارة الذعر.