بث تجريبي

من شرق الفرات إلى المركز: مستقبل الجيش السوري بعد اندماج قسد

يشكل اندماج قسد في المؤسسة العسكرية السورية اختباراً يتجاوز توزيع الوحدات والمناصب، ليعيد تعريف مفهوم الجيش الوطني، ويوازن بين الجغرافيا والمكونات، ويؤسس لعقيدة أمنية جديدة تتعامل مع التنوع بوصفه جزءاً من قوة الدولة لا مصدر تهديد دائم لها.

لا يمكن قراءة اندماج قوات سوريا الديمقراطية ضمن الجيش السوري باعتباره مجرد اتفاق لتسليم السلاح أو إعادة توزيع الوحدات العسكرية على الخريطة السورية. فالتحولات التي ترافق مثل هذه الخطوة عادةً ما تكون أعمق من الجانب العملياتي، لأنها تمس سؤالاً مركزياً يتعلق بطبيعة المؤسسة العسكرية نفسها، هل تكون امتداداً لموازين القوة التي فرضتها سنوات الحرب، أم تتحول إلى مؤسسة وطنية تستوعب مختلف المناطق والمكونات التي تشكل الدولة؟

من هذه الزاوية، يصبح إدماج "قسد" اختباراً لبنية الجيش وقدرته على الانتقال من منطق القوى المتعددة إلى منطق المؤسسة الواحدة. فالسنوات الطويلة من الحرب أنتجت خرائط نفوذ عسكرية وأمنية متباينة، وخلقت لكل منطقة تجربتها الخاصة في إدارة الأمن والدفاع، كما أنتجت قيادات ذات خبرة مختلفة تبعاً لطبيعة الجبهات التي خاضتها.

وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في وضع عناصر جديدة داخل تشكيلات عسكرية قائمة، وإنما في بناء صيغة تجعل هؤلاء جزءاً من مؤسسة واحدة، بعقيدة واحدة، وتسلسل قيادي واحد، وقواعد اشتباك موحدة، ومرجعية سياسية، وقانونية واضحة.

"قسد" تضيف خبرة ميدانية مختلفة

تمتلك "قسد" خبرة عسكرية تشكلت في بيئة عملياتية مختلفة عن تلك التي عرفتها وحدات الجيش السوري التقليدية. فقد خاضت سنوات من المعارك ضد تنظيم "داعش"، واعتمدت بدرجات متفاوتة على العمليات البرية، والاستخبارات المحلية، والتنسيق مع التحالف الدولي، والاستفادة من المعلومات المتعلقة بالمجتمعات المحلية والبيئة الجغرافية المعقدة في شمال وشرق سوريا.

وهذه الخبرة، في حال جرى استيعابها بصورة مؤسساتية، يمكن أن تتحول إلى قيمة مضافة للجيش، لا سيما في مجالات مكافحة التنظيمات المسلحة، وحرب المدن، وملاحقة الخلايا، وإدارة المناطق التي خرجت من سنوات طويلة من النزاع.

لكن الاستفادة من هذه الخبرة لا تعني نقل نموذج "قسد" كما هو إلى المؤسسة العسكرية السورية. فالجيوش النظامية تختلف في طبيعتها عن التشكيلات التي نشأت خلال الحرب، وما يصلح لقوة تعمل في إطار محلي أو شبه محلي قد لا يكون مناسباً لمؤسسة مسؤولة عن كامل الجغرافيا الوطنية.

لذلك، فإن نجاح عملية الاندماج يرتبط بقدرة المؤسسة الجديدة على انتقاء الخبرات القابلة للتعميم، بدلاً من استنساخ الهياكل السابقة.

التحدي الأصعب: توحيد العقيدة قبل توحيد البنادق

السلاح يمكن جمعه في مستودع واحد، والوحدات يمكن وضعها تحت قيادة واحدة، لكن توحيد العقيدة العسكرية أكثر تعقيداً. فالقوات التي قاتلت خلال السنوات الماضية انطلقت من رؤى سياسية وأمنية مختلفة، وتعرضت لتأثيرات إقليمية ودولية متعددة. ولهذا فإن دمجها يتطلب أكثر من قرار إداري يحتاج إلى إعادة تعريف وظيفة الجندي والضابط، وحدود علاقته بالسياسة، ومفهومه عن الدولة، وطبيعة المهمة التي يؤديها.

وهنا تبرز مسألة الهوية الوطنية. فإذا تمكنت الدولة من تحويل التعدد الإثني والمناطقي داخل الجيش إلى عنصر تمثيل حقيقي، فإن المؤسسة العسكرية قد تتحول تدريجياً إلى واحدة من أهم أدوات إعادة بناء الثقة الوطنية.

أما إذا بقي الاندماج شكلياً، بحيث تحتفظ الوحدات الجديدة بهوياتها التنظيمية السابقة وتظل الولاءات السياسية والمناطقية أقوى من الولاء للمؤسسة، فإن النتيجة قد تكون مجرد تجميع لقوى متعددة تحت مظلة واحدة، لا بناء جيش موحد فعلياً. الفارق بين الحالتين كبير الأولى تعني بناء مؤسسة، والثانية تعني إدارة توازنات مؤقتة.

التغييرات القيادية تكشف عن مرحلة إعادة تأسيس

لا يمكن فصل الحديث عن اندماج "قسد" عن التغييرات التي تطال البنية القيادية للجيش. فإعادة توزيع المناصب العسكرية في مرحلة انتقالية عادةً ما تكون مرتبطة بمحاولة إعادة صياغة مراكز القرار، وتحديد الشخصيات القادرة على إدارة مرحلة مختلفة عن المرحلة السابقة.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة عندما تكون المؤسسة العسكرية أمام عملية توسع في قاعدة التجنيد والخبرة والانتشار الجغرافي. فالقيادة التي تستطيع إدارة مؤسسة متجانسة قد لا تكون بالضرورة الأنسب لإدارة مؤسسة تتسع لتشمل تجارب عسكرية ومناطقية مختلفة.

ومن هنا يمكن فهم التغييرات القيادية بوصفها محاولة لإعادة ضبط التوازن بين ثلاثة عناصر: الكفاءة العسكرية، والتمثيل الجغرافي، والقدرة على العمل ضمن عقيدة وطنية موحدة.

لكن هذه المعادلة تحمل خطراً أيضاً. فإذا تحول التوازن الجغرافي إلى محاصصة عسكرية، أو تحولت إعادة الهيكلة إلى مجرد استبدال مراكز نفوذ بمراكز نفوذ أخرى، فقد تفقد العملية جزءاً كبيراً من أهدافها. فالمؤسسة العسكرية الناجحة لا تحتاج إلى توزيع المناصب بالتساوي بقدر حاجتها إلى توزيع الفرص والكفاءة بصورة عادلة، بحيث يصبح الانتماء الوطني هو الإطار الجامع، لا الانتماء المناطقي.

من شرق الفرات إلى مؤسسة الدولة

يحمل شرق الفرات أهمية تتجاوز البعد العسكري. فالمنطقة تجمع بين الموقع الجغرافي الحساس، والحدود الدولية، والموارد الطبيعية، والتنوع السكاني، والتداخل بين المصالح السورية والإقليمية والدولية.

ولهذا فإن إدماج القوة العسكرية الموجودة فيها ضمن مؤسسة الدولة يمكن أن يعيد تعريف العلاقة بين المركز والأطراف. فبدلاً من بقاء المنطقة باعتبارها مجال نفوذ عسكري منفصل، تصبح جزءاً من منظومة أمنية وطنية واحدة.

لكن تحقيق ذلك يتطلب معالجة الأسباب السياسية والاجتماعية التي ساهمت في نشوء البنى العسكرية المحلية أصلاً. فالسلاح لا ينفصل عن مسألة الإدارة والتمثيل والحقوق المحلية. وإذا لم يشعر السكان بأن انتقال السلطة الأمنية إلى المركز لا يعني فقدانهم لدورهم أو حقوقهم، فقد تبقى عملية الاندماج عرضة للتوتر.

لذلك فإن نجاح الاندماج العسكري يحتاج بالتوازي إلى صيغة سياسية وإدارية تطمئن المكونات المحلية، وتضمن مشاركتها في مؤسسات الدولة، وتمنع تحول المركزية الأمنية إلى مركزية إقصائية.

الإرث في مواجهة "داعش" يتحول إلى رصيد مؤسساتي

من أهم العناصر التي يمكن أن تستفيد منها المؤسسة العسكرية السورية هو الإرث العملياتي المتراكم لدى قوات سوريا الديمقراطية التي خاضت المعارك ضد تنظيم "داعش".

فالقتال ضد التنظيمات المتطرفة لا يعتمد على القوة النارية وحدها، وإنما يحتاج إلى شبكة استخبارات، ومعرفة بالمجتمع المحلي، وفهم لطبيعة الخلايا السرية، وقدرة على الفصل بين البيئة الاجتماعية وبين العناصر المسلحة.

وهذه الخبرات تكتسب أهمية أكبر في مرحلة ما بعد الحرب، لأن خطر التنظيمات المتطرفة لا ينتهي بانهيار سيطرتها على المدن. الخلايا النائمة والاقتصاد غير الرسمي والحدود المفتوحة والفراغات الأمنية يمكن أن تعيد إنتاج التهديد بأشكال مختلفة.

وبالتالي، فإن دمج الخبرات المتراكمة في مكافحة "داعش" داخل مؤسسة الدولة قد يمنح الجيش قدرة أكبر على الانتقال من مفهوم الحرب التقليدية إلى مفهوم الأمن المركب، الذي يجمع بين العمل العسكري والاستخباراتي والأمني والمجتمعي.

المعادلة الدولية: من الشراكة المحلية إلى الدولة

تفتح عملية الاندماج، نظرياً، باباً لإعادة صياغة علاقة سوريا مع الأطراف الدولية التي تعاملت خلال سنوات الحرب مع قوى محلية مختلفة.

فوجود قوة عسكرية كانت جزءاً من منظومة مكافحة "داعش" داخل مؤسسة الدولة يمكن أن يغير طبيعة النقاش الدولي حول الأمن السوري. فبدلاً من التعامل مع قوى محلية منفصلة، يصبح من الممكن مستقبلاً بناء قنوات اتصال أكثر مباشرة مع مؤسسة عسكرية رسمية.

غير أن هذا التحول ليس تلقائياً. فالاعتراف الدولي بأي مؤسسة عسكرية لا ينتج فقط من تركيبها الداخلي، وإنما يرتبط أيضاً بسلوكها، وبمدى التزامها بالقانون، وبطبيعة السلطة السياسية التي تخضع لها، وبقدرتها على ضبط السلاح ومنع استخدامه خارج الإطار المؤسساتي.

لذلك فإن الشرعية الدولية لا تمنحها عملية الاندماج وحدها، وإنما يمكن أن تكون نتيجة لمسار أوسع يجمع بين إعادة بناء المؤسسة العسكرية والإصلاح السياسي والقانوني.

الثروات الشرقية واختبار السيادة

يبقى الاقتصاد أحد أكثر الملفات حساسية في معادلة الاندماج. فالمناطق الشرقية ترتبط بجزء مهم من الموارد النفطية والزراعية والمائية، ما يجعل السيطرة الأمنية عليها ذات أبعاد اقتصادية تتجاوز الحسابات العسكرية.

وعندما تصبح الموارد الواقعة في مناطق النفوذ المختلفة تحت إدارة دولة واحدة، فإن ذلك يمكن أن يساهم في إعادة بناء الاقتصاد الوطني، بشرط أن ترافقه آليات شفافة لتوزيع العائدات، وتنمية المناطق المنتجة، وضمان استفادة السكان المحليين.

أما إذا تحولت السيطرة العسكرية على الموارد إلى مجرد انتقال للنفوذ من طرف إلى آخر، فإن المشكلة ستبقى قائمة، حتى لو تغيرت الجهة التي تحمل السلاح.

وهنا يظهر الاختبار الحقيقي للسيادة: السيادة ليست فقط أن تسيطر الدولة على الأرض، بل أن يشعر سكان هذه الأرض بأن مواردها ومؤسساتها تعمل لمصلحتهم ضمن عقد وطني واضح.

هل ينجح الاندماج في صناعة جيش جديد؟

النتيجة النهائية ستتوقف على كيفية إدارة المرحلة الانتقالية. فإذا جرى الدمج وفق معايير مهنية واضحة، وتم توحيد التسلسل القيادي، وإعادة توزيع الاختصاصات، والاستفادة من الخبرات المختلفة، فإن العملية يمكن أن تتحول إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس أكثر شمولاً.

أما إذا اقتصر الأمر على إدخال عناصر وقادة من تشكيلات مختلفة إلى هياكل قائمة دون إعادة بناء العقيدة وآليات اتخاذ القرار، فإن النتيجة ستكون أقل عمقاً، وقد تنتج مؤسسة تجمع في داخلها تناقضات المرحلة السابقة بدلاً من تجاوزها.

ومن هنا، فإن السؤال الأهم ليس: كم مقاتلاً سينضم إلى الجيش؟ ولا: من سيحصل على أي رتبة؟ وإنما: أي جيش تريد سوريا أن تبنيه بعد سنوات الانقسام؟ هذا السؤال هو جوهر المرحلة.

إعادة تعريف الجيش قبل إعادة توزيع وحداته

إن اندماج "قسد" وإعادة ترتيب القيادات العسكرية يمكن أن يشكلا أحد أكبر التحولات في بنية المؤسسة العسكرية السورية، ليس بسبب حجم القوات الداخلة في العملية فحسب، وإنما بسبب اختلاف التجارب العسكرية والسياسية التي تحملها معها.

فالاختبار الحقيقي يكمن في قدرة الدولة على تحويل هذا التنوع إلى مؤسسة، لا إلى محاصصة؛ وتحويل الخبرات المتراكمة إلى عقيدة وطنية، لا إلى جزر عسكرية متجاورة؛ وتحويل السيطرة على الجغرافيا إلى سيادة مؤسساتية، لا إلى إعادة إنتاج لمعادلات النفوذ القديمة.

وفي حال نجحت هذه العملية، فقد لا يكون اندماج "قسد" مجرد نهاية لمرحلة من الانقسام العسكري، بل بداية لإعادة تعريف الجيش السوري نفسه: مؤسسة أكثر تنوعاً في تركيبتها، وأكثر اتساعاً في تمثيلها الجغرافي، وأكثر اعتماداً على الخبرة والكفاءة، وأقل ارتباطاً بمنطق الولاءات الفصائلية.

أما إذا فشل بناء القاعدة السياسية والقانونية التي تستند إليها عملية الدمج، فإن توحيد البنادق لن يكون كافياً لتوحيد الدولة.

وبذلك، فإن مستقبل الجيش السوري لن تحدده فقط خرائط الانتشار الجديدة أو أسماء القادة، وإنما قدرة المؤسسة على إنتاج هوية عسكرية وطنية تتسع لكل مكونات سوريا، وتضع السلاح تحت سلطة الدولة، وتجعل من التنوع مصدراً للقوة بدلاً من أن يكون سبباً جديداً للصراع.

قد يهمك