بث تجريبي

الصين وأمريكا.. سباق لإعادة تشكيل صناعة الطاقة النووية واستعادة الصدارة العالمية

لم تعد المنافسة النووية بين الولايات المتحدة والصين تقتصر على امتلاك التكنولوجيا الأكثر تطورًا، بل باتت تدور بصورة متزايدة حول قدرة كل دولة على تصنيع المفاعلات ونشرها وتشغيلها على نطاق واسع وبأسرع وتيرة ممكنة.

وخلال العقدين الماضيين، تعاملت الولايات المتحدة مع الطاقة النووية باعتبارها صناعة قديمة تحتاج إلى الإبقاء على بنيتها القائمة، بينما ركزت الصين على توسيع قدراتها النووية وبناء منظومة صناعية متكاملة تمكنها من تنفيذ المشروعات بصورة متكررة.

وتشير المعطيات الواردة في التحليل إلى أن بكين تمتلك حاليًا 60 مفاعلًا نوويًا عاملًا و37 مفاعلًا قيد الإنشاء، فيما يقع ما يقرب من نصف القدرة النووية التي يجري بناؤها عالميًا داخل الصين. 

الصين تحول الطموح إلى قدرة صناعية

أصبحت الطاقة النووية اختبارًا لقدرة النظامين الاقتصاديين الصيني والأمريكي على تحويل التطور التكنولوجي إلى قدرة صناعية حقيقية.

وفي عام 2025، بدأت الصين تسعة من كل عشرة مشروعات نووية جديدة على مستوى العالم، كما ارتفعت قدرتها على توليد الكهرباء من الطاقة النووية بنسبة 76% بين عامي 2016 و2024، قبل إضافة قدرات جديدة خلال عام 2025 والأشهر الأولى من 2026.

وفي المقابل، لم تشغل الولايات المتحدة سوى ثلاثة مفاعلات جديدة منذ عام 1996، ما يعكس الفجوة الكبيرة في سرعة بناء المفاعلات وتشغيلها.

ولا تتمثل الميزة الصينية في بناء عدد أكبر من المفاعلات فقط، وإنما في تطوير منظومة صناعية قادرة على تكرار عملية البناء، من التصميم والهندسة إلى التصنيع والإنشاء والتشغيل والتمويل.

وتلعب الشركات المملوكة للدولة دورًا رئيسيًا في هذا النموذج، مع ارتباط وثيق بين التمويل والسياسات الحكومية وسلاسل التوريد.

ويعد مفاعل «هوالونغ وان» نموذجًا لهذه الاستراتيجية، إذ انتقل التصميم من مرحلة التطوير إلى الإنتاج المتسلسل، مع وجود وحدات متعددة قيد التشغيل أو الإنشاء.

وتمنح كل وحدة جديدة تبنيها الصين خبرة إضافية في تصنيع المكونات وإدارة المشروعات والبناء والتوريد والتمويل وتطوير الكوادر، وهو ما يخلق ميزة تراكمية يصعب تحقيقها من خلال الإنفاق على البحث والتطوير وحده.

واشنطن تتحرك لاستعادة الزخم

بدأت الولايات المتحدة في المقابل اتخاذ خطوات لإعادة تنشيط قطاع الطاقة النووية، وكان الإصلاح التنظيمي أحد أبرز محاور التحرك.

وفي مايو/أيار 2025، أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمراجعة شاملة للوائح هيئة التنظيم النووي، مع وضع هدف لتقليص المدة اللازمة لترخيص المفاعلات الجديدة إلى 18 شهرًا.

كما ربطت إدارة ترامب التوسع النووي بالأمن القومي، ودعت إلى تسريع تطوير ونشر وتصدير التقنيات النووية المتقدمة، إلى جانب زيادة الاستثمارات الخاصة في القاعدة الصناعية النووية وتوسيع القدرات المحلية لتحويل وتخصيب اليورانيوم. 

ولا يقتصر التحرك الأمريكي على الحكومة، إذ بدأت رؤوس الأموال الخاصة في العودة إلى قطاع الطاقة النووية، بينما دخلت شركات التكنولوجيا بقوة إلى المشهد، مدفوعة جزئيًا بالطلب المتزايد على الكهرباء نتيجة توسع مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.

ويمثل هذا الطلب فرصة جديدة للطاقة النووية، باعتبارها مصدرًا قادرًا على توفير كهرباء مستقرة ومنخفضة الانبعاثات على مدار الساعة.

تواجه الولايات المتحدة في الوقت نفسه تحديًا يتعلق بالقوى العاملة، إذ تشير التقديرات الواردة في التحليل إلى وجود نحو 100 ألف موظف في القطاع النووي الأمريكي، مقابل احتياج متوقع يصل إلى نحو 375 ألف عامل بحلول عام 2050.

ولهذا بدأت واشنطن أيضًا في دعم برامج تدريب وتأهيل الكوادر، إلى جانب تمويل البنية التحتية النووية في الجامعات والبحوث والزمالات والشراكات مع الصناعة.

ويكشف ذلك عن مشكلة أعمق تواجه الصناعة الأمريكية، تتمثل في فقدان جزء كبير من الخبرات والبنية المؤسسية التي كانت موجودة خلال فترات التوسع النووي السابقة.

نموذج مختلف للمنافسة

ورغم التفوق الصيني في سرعة البناء، لا تزال الولايات المتحدة تمتلك نقاط قوة كبيرة، أبرزها أسواق رأس المال، والجامعات ومراكز البحث المتقدمة، وشركات التكنولوجيا، والأسطول النووي الكبير، والشركات الهندسية، إضافة إلى خبرة طويلة في مجال الأبحاث النووية.

كما تمتلك منظومة واسعة من الشركات الناشئة التي تعمل على تطوير تصميمات جديدة للمفاعلات.

في المقابل، تتمتع الصين بمزايا مختلفة، أبرزها مركزية القرار، والقدرة الكبيرة على تنفيذ مشروعات البنية التحتية، والشركات الحكومية القادرة على ضخ استثمارات ضخمة، وسلاسل التوريد التي اكتسبت خبرة من تكرار بناء المفاعلات.

وبذلك، لا تدور المنافسة بالضرورة حول أي نظام اقتصادي أفضل بصورة مطلقة، وإنما حول قدرة كل نموذج على تحويل إمكاناته إلى مفاعلات تعمل على أرض الواقع.

سباق يتجاوز الحدود

وتتجه المنافسة أيضًا إلى الأسواق الدولية، إذ تسعى الشركات الصينية إلى تصدير تكنولوجيا المفاعلات إلى الخارج، مستفيدة من قدرة الدولة على تقديم حزم متكاملة تشمل التمويل والبناء والمعدات والتكنولوجيا.

وهذا يضع الولايات المتحدة أمام تحدٍ يتجاوز سوق الطاقة، لأن تصدير التكنولوجيا النووية يمكن أن يؤدي إلى إقامة علاقات اقتصادية وتقنية ودبلوماسية طويلة الأمد مع الدول المستوردة.

ومن ثم، تحتاج واشنطن إلى تعزيز قدرتها على المنافسة في الأسواق الخارجية، بالتوازي مع إعادة بناء قدراتها المحلية.

من يربح السباق؟

في النهاية، لن يتحدد مستقبل المنافسة النووية بين الصين والولايات المتحدة بناءً على الدولة التي تقدم تصميم المفاعل الأكثر طموحًا، وإنما بناءً على الدولة القادرة على تحويل المعرفة الهندسية إلى بنية تحتية فعلية على نطاق واسع.

وتشير خلاصة التحليل إلى أن الولايات المتحدة تحتاج إلى الجمع بين الإصلاح التنظيمي والاستثمار في إنتاج الوقود النووي محليًا، وتصنيع المكونات، وتطوير قدرات البناء، والتعليم الهندسي، والبنية التحتية للاختبارات، إلى جانب الاعتماد على تصميمات مفاعلات موحدة يمكن إنتاجها بصورة متكررة.

وهكذا، يتحول السباق النووي بين واشنطن وبكين إلى معركة على القدرة الصناعية بقدر ما هو سباق تكنولوجي؛ فالصين تراهن على سرعة التنفيذ والتكرار، بينما تحاول الولايات المتحدة إعادة بناء منظومة تمكنها من تحويل قوتها العلمية والمالية إلى مفاعلات وقدرات إنتاجية تنافس بكين. 

قد يهمك