تتجه الصين إلى تعزيز حضورها في التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا عبر القطب الشمالي، من خلال إطلاق شركة الشحن الصينية «سي ليجند» خدمة منتظمة لنقل الحاويات عبر الممر البحري الشمالي، في خطوة قد تقلص زمن الرحلات التجارية إلى النصف.
ومن المقرر أن تربط الخدمة أسبوعيًا بين ميناء نينجبو شرقي الصين وميناء فيلكستو البريطاني، مرورًا بمحاذاة الساحل الشمالي الروسي. وأطلقت الشركة على المسار اسم «طريق الحرير الجليدي»، في إشارة إلى طريق الحرير التاريخي الذي ربط الصين بالأسواق الأوروبية.
وتشير التقديرات إلى أن المسار القطبي يمكن أن يخفض مدة الرحلة من نحو 40 يومًا عبر الطرق التقليدية إلى قرابة 20 يومًا، رغم أن مدة الإبحار الفعلية ستظل مرتبطة بظروف الملاحة ومستويات الجليد في المنطقة.
ويأتي إطلاق الخدمة بعد تجربة ناجحة في عام 2025، عندما تمكنت سفينة الحاويات «إسطنبول بريدج» من الوصول من نينجبو إلى فيلكستو خلال نحو 20 يومًا، حاملة أكثر من 4 آلاف حاوية، قبل مواصلة رحلتها إلى موانئ أوروبية أخرى.
ويُعد الممر البحري الشمالي أقصر طريق بحري بين آسيا وأوروبا مقارنة بالمسارات التي تمر عبر قناة السويس والبحر الأحمر. وتزايدت أهميته مع استمرار الاضطرابات الأمنية في البحر الأحمر وباب المندب، والتي دفعت شركات شحن إلى تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل وإطالة زمن الرحلات.
ويرى خبراء في قطاع التأمين والمخاطر البحرية أن جاذبية الطريق القطبي لا تقتصر على اختصار زمن الشحن، بل تمتد إلى تقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحيوية التي يمكن أن تتأثر بالصراعات أو التوترات الجيوسياسية.
وبالنسبة إلى بكين، يوفر المسار الجديد خيارًا إضافيًا لتنويع طرق التجارة وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد إلى الأسواق الأوروبية، لا سيما بالنسبة للسلع مرتفعة القيمة التي تمثل سرعة وصولها عنصرًا مهمًا في قدرتها التنافسية.
وشهد الممر البحري الشمالي نموًا في حركة العبور خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع عدد رحلات سفن البضائع السائبة إلى 23 رحلة في عام 2025، مقارنة بـ15 رحلة خلال عام 2024.
وتعتزم شركة «سي ليجند» تحويل الخدمة إلى عمليات موسمية منتظمة خلال عام 2026، مع خطط للتوسع مستقبلًا، ما قد يدفع نحو انتقال الملاحة القطبية من مرحلة التجارب المحدودة إلى نشاط تجاري أكثر انتظامًا.
ذوبان الجليد يفتح الطريق
يرتبط تزايد فرص الملاحة في القطب الشمالي بشكل مباشر بالتغير المناخي، إذ أدى تراجع مساحة الجليد البحري إلى إطالة فترات الملاحة في بعض المناطق الشمالية، ما يسمح للسفن بالعبور خلال ظروف معينة دون الاعتماد الكامل على كاسحات الجليد.
لكن هذا التطور يثير مخاوف بيئية متزايدة، إذ إن ارتفاع حركة السفن في منطقة شديدة الحساسية قد يزيد مخاطر التلوث وتسرب النفط والإضرار بالنظم البيئية القطبية، فضلًا عن تعقيد التحديات الأمنية في المنطقة.
كما يفرض اعتماد الطريق على الأراضي والمياه الواقعة بمحاذاة الساحل الروسي بُعدًا جيوسياسيًا مهمًا، إذ تخضع أجزاء كبيرة من الممر لإدارة وتنظيم روسيين، بما في ذلك إصدار تصاريح العبور وتحديد قواعد الملاحة وفقًا لظروف الجليد.
ويضع ذلك الصين أمام معادلة استراتيجية دقيقة؛ فهي تحصل على طريق أقصر وأكثر سرعة إلى أوروبا، لكنها في الوقت نفسه تعتمد على بنية تحتية ونظام ملاحي يقعان بدرجة كبيرة تحت النفوذ الروسي.
وبذلك، لا يمثل «طريق الحرير الجليدي» مجرد مشروع لتقليص تكاليف ومدة الشحن، بل يعكس أيضًا سعي الصين إلى تنويع طرق التجارة وتعزيز نفوذها في منطقة القطب الشمالي، التي تتزايد أهميتها في ظل التنافس الدولي على مواردها وممراتها البحرية.