مع تصاعد عنف المستوطنين، وتكثيف الجيش الإسرائيلي عملياته وانتشاره وحواجزه، إلى جانب تدهور الأوضاع الاقتصادية، يجد المسيحيون الفلسطينيون أنفسهم أمام واقع يهدد ارتباطهم بأرضٍ يفخرون بجذورهم فيها الممتدة لأكثر من ألفي عام، حتى بات حلم الهجرة يطرق أبوابهم.
وتشهد الضفة تصاعدا في أعمال العنف منذ اندلاع الحرب في غزة، وازدادت هجمات المستوطنين على الفلسطينيين لتصبح شبه يومية، بينما كثّف الجيش الإسرائيلي عملياته وانتشاره وحواجزه.
ويشير رعاة كنائس إلى هجرة متصاعدة بين الشباب، في حين يخطط آخرون للقيام بذلك في المستقبل القريب.
وشهدت الضفة الغربية موجات هجرة متعاقبة للمسيحيين منذ القرن الثامن عشر. وتوجد جاليات فلسطينية مسيحية كبيرة في الأمريكيتين، بينها أكثر من 40 ألف شخص في تشيلي وحدها.
ويراوح عدد المسيحيين في الضفة الغربية حاليا بين 40 و45 ألفا، ويشكّلون أكثر بقليل من واحد في المئة من إجمالي عدد السكان، في حين كانت نسبتهم 6% في 1967، وهو العام الذي احتلت فيه إسرائيل هذه الأراضي.
وباستثناء القدس الشرقية، يعيش نحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة، إضافة الى أكثر من 500 ألف إسرائيلي يقيمون في مستوطنات تعدّ غير قانونية بموجب القانون الدولي.
وتراجع عدد المسيحيين في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية "يجب أن يدقّ جرس خطورة كبيرا جدا للعالم المسيحي"، معتبرة أن على الأخير "أن يرى حقيقة هذا الاحتلال (الإسرائيلي)" في مهد المسيح.
يطلق الفلسطينيون المسيحيون على أنفسهم اسم "الحجارة الحية" للدلالة على وجودهم التاريخي في هذه الأراضي.وهم يتركّزون في القدس الشرقية وبيت لحم حيث أقدس مواقعهم الدينية، بالإضافة إلى رام الله وقرى وبلدات عدة.
وفي الطيبة شرق رام الله، وهي آخر بلدة يقطنها مسيحيون بالكامل في الضفة، ويُعتقد أن المسيح لجأ إليها آتيا من القدس، وثّقت الكنائس هجرة أكثر من 15 عائلة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ومنذ ذلك الحين، تعرّضت البلدة لهجمات من مستوطنين، طالت أراضيها وممتلكات سكانها وحتى أماكنها المقدسة، من بينها إحراق محيط كنيسة القديس جورج الأثرية التي تعود للقرن الخامس الميلادي، وفقا لراعي كنيسة اللاتين في البلدة الأب بشار فواضله.
ويشير آخرون إلى أن "المعاناة اليومية من جراء عدم وجود الأمان" نتيجة هجمات المستوطنين، إضافة إلى الظروف الاقتصادية، تدفعان سكان البلدة إلى "التفكير بمستقبلهم ومستقبل أبنائهم. لذلك يفضلون الهجرة".
ورغم أن الطيبة تبعد عن رام الله 12 كيلومترا فقط، إلا أن طاقم فرانس برس احتاج نحو ساعة للوصول إليها بسبب الحواجز العسكرية الإسرائيلية.
ويقطن البلدة حاليا نحو 1200 شخص وفقا لآخر إحصائية أجرتها كنيسة اللاتين، علما بأن عددهم كان يناهز ثلاثة آلاف شخص في الثمانينات.
وأظهر استطلاع رأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية عام 2020، أن 35% من المسيحيين في الضفة يفكّرون في الهجرة خارج البلاد، لأسباب اقتصادية أو بحثا عن فرص للدراسة، أو عن الاستقرار والحرية.
ويقول الباحث ومدير المركز خليل الشقاقي لفرانس برس إن الرغبة في الهجرة بين المسيحيين في الضفة، هي ضعف نسبتها لدى المسلمين.
ويشير الى أن الاستطلاع أظهر كذلك شعورا بعدم الأمان لدى المسيحيين يرتبط بـ"قلق واضح من وجود جماعات دينية سلفية في المجتمع الفلسطيني، ومن وجود تنظيمات فلسطينية مسلحة مثل حماس".
ويؤكد الشقاقي أنه بعد ست سنوات من إجراء الاستطلاع، تشير المعطيات إلى أن "أغلب الأمور حاليا أصبحت أسوأ".
ويقول القس متري الراهب، مؤسس ورئيس جامعة دار الكلمة في بيت لحم، إن أكثر من مئتي عائلة مسيحية هاجرت من الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة عقب هجوم حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويضيف لوكالة فرانس برس "إذا استمرت الظروف الراهنة لن يبقى هناك أي مسيحي فلسطيني في عام 2050".
بين السطور