مع تركيز المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة على أزمة مضيق هرمز، تتزايد المخاوف من أن تتحول القضية البحرية إلى مسار جانبي يسمح لطهران بتأجيل بحث ملفها النووي، والحفاظ على ما تبقى من قدراتها وبنيتها التحتية، بما يمنحها وقتًا لإعادة بناء ما تعرض للدمار خلال الحرب.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه واشنطن أن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يمثل خطًا أحمر، يبرز تساؤل أساسي بشأن مستقبل المفاوضات: هل تنجح في تفكيك القدرات النووية الإيرانية، أم تمنح طهران مهلة إضافية لإعادة ترتيب برنامجها النووي؟
ووفقًا لتقارير صحفية أمريكية، كان منع إيران من تطوير سلاح نووي أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى شن الحرب عليها.
مصير غامض للمخزون النووي
يزداد الغموض المحيط بالبرنامج النووي الإيراني في ظل استمرار طهران في منع عمليات التفتيش الدولية من الوصول إلى عدد من أكثر منشآتها النووية حساسية، وهي خطوة تمثل عقبة رئيسية أمام التوصل إلى اتفاق سلام أو تسوية نووية مستدامة.
ورغم الضربات التي استهدفت ثلاثة مواقع نووية رئيسية خلال عامي 2025 و2026، تشير تقديرات مفتشي الأمم المتحدة إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بمخزون من اليورانيوم المخصب إلى مستوى قريب من الدرجة اللازمة لصنع الأسلحة، بما قد يكفي لتطوير ما يصل إلى 10 قنابل نووية خلال فترة زمنية قصيرة.
وحذر خبراء في مجال الانتشار النووي من أن طهران قد تستغل أزمة مضيق هرمز للحصول على تخفيف للعقوبات وتنازلات اقتصادية وسياسية، قبل الانتقال إلى القضايا المرتبطة ببرنامجها النووي.
ضغوط ترامب على طهران
وفي هذا السياق، أبقى ترامب الخيار العسكري مطروحًا في حال تراجعت إيران عن المفاوضات، مؤكدًا أنه لن يسمح لها بامتلاك سلاح نووي.
وقال الرئيس الأمريكي إن انسحاب طهران من المفاوضات سيؤدي إلى رد عسكري قوي، مشيرًا إلى أن واشنطن لا تملك خيارًا يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي.
وكان ترامب قد أوضح أن المفاوضات ستبدأ بالتركيز على إعادة فتح مضيق هرمز، قبل الانتقال إلى مناقشة البرنامج النووي الإيراني، وهو الترتيب الذي أثار مخاوف من إمكانية تأجيل الملف النووي إلى مرحلة لاحقة.
مخاوف من استغلال طهران للمفاوضات
وترى أندريا ستريكر، نائبة مدير برنامج منع الانتشار والدفاع البيولوجي في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن من مصلحة إيران توجيه المفاوضات نحو القضايا التي تمثل أولوية بالنسبة إليها، وعلى رأسها إعادة فتح مضيق هرمز وتخفيف العقوبات المفروضة على قطاع النفط، وربما السعي إلى رفع العقوبات الأمريكية بصورة أوسع.
وحذرت من أن نجاح طهران في فرض هذا المسار التفاوضي قد يقلص أدوات الضغط الأمريكية المتاحة لاحقًا للحصول على تنازلات كبيرة بشأن الملف النووي.
وتأتي هذه المخاوف في ظل تقارير سابقة أفادت بأن إيران اقترحت إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب قبل بدء المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي، وهو ما قد يحد من قدرة واشنطن على الضغط بشأن مستوى تخصيب اليورانيوم وحجم المخزون الإيراني.
هرمز.. ورقة ضغط إيرانية
وأشارت تقارير صحفية أمريكية إلى أن طهران ركزت خلال الأزمة على الحفاظ على أوراق الضغط التي تمتلكها في مضيق هرمز، بدلًا من الانخراط بصورة أعمق في مناقشة القيود المفروضة على برنامجها النووي.
وترى كيلسي دافنبورت، مديرة سياسة منع الانتشار في رابطة الحد من التسلح، أن تركيز إيران على مضيق هرمز ليس مفاجئًا، معتبرة أن طهران تسعى إلى استثمار أوراق الضغط التي اكتسبتها من خلال تعطيل حركة الملاحة في الممر المائي، واختبار مدى استعداد ترامب للتفاوض معها.
وأضافت أن أي اتفاق مستدام سيضطر في نهاية المطاف إلى معالجة البرنامج النووي الإيراني، محذرة في الوقت نفسه من أن الضربات العسكرية لا تستطيع القضاء على المعرفة والخبرة النووية التي تراكمت لدى إيران.
وبحسب دافنبورت، لا تزال طهران تمتلك مواد وتقنيات رئيسية يمكن أن تدخل في عملية تطوير سلاح نووي، ما يجعل استمرار البرنامج من دون رقابة مصدرًا محتملًا لعدم الاستقرار وتجدد الصراع.
التفتيش الدولي في صدارة الأولويات
وترى ستريكر أن تأجيل الملفات النووية قد يسمح للنظام الإيراني بالحفاظ على مخزوناته المتبقية من اليورانيوم المخصب وتجنب تفكيك بنيته التحتية النووية بالكامل.
كما أشارت إلى أن طهران قد تسعى إلى تفادي تقديم إجابات بشأن أنشطتها السابقة المرتبطة بتطوير الأسلحة النووية، فضلًا عن تجنب الالتزام بإنهاء تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة البلوتونيوم.
وحذرت من أن تأجيل هذه الملفات إلى المراحل الأخيرة من المفاوضات قد يقلل فرص حصول واشنطن على تنازلات إيرانية كبيرة أو التوصل إلى اتفاق نووي متين.
من جهتها، شددت دافنبورت على ضرورة أن تعطي الإدارة الأمريكية الأولوية لاستعادة وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المنشآت النووية الإيرانية، قبل الدخول في مفاوضات تفصيلية بشأن الاتفاق النووي.
وأوضحت أن الوكالة لم تتمكن من الوصول إلى مواقع نووية إيرانية رئيسية منذ أكثر من عام، ما يجعل حجم البنية التحتية التي لا تزال قائمة ومواقع المواد النووية المتبقية غير واضح بصورة كاملة.
وبحسب دافنبورت، فإن استئناف عمليات التفتيش من شأنه أن يمنح واشنطن صورة أكثر وضوحًا عن المنشآت والمواد النووية التي لا تزال بحوزة إيران، ويساعد المفاوضين في وضع نظام تحقق قادر على سد الثغرات القائمة.
العقوبات مقابل خطوات قابلة للتحقق
كما أوصت دافنبورت بربط أي تخفيف للعقوبات بخطوات إيرانية محددة وقابلة للتحقق، بدلًا من التفاوض على اتفاق شامل دفعة واحدة.
وترى أن سلسلة من الاتفاقات المحدودة يمكن أن تسهم في بناء الثقة تدريجيًا، معتبرة أن أفضل مسار للتوصل إلى اتفاق مستدام يتمثل في منح الملف النووي الأهمية نفسها التي يحظى بها مضيق هرمز، إلى جانب معالجة القضايا الأخرى التي تعتبرها إيران أولوية.
وفي تقدير آخر، قال جيمس أكتون، الفيزيائي والمحلل المتخصص في الشأن الإيراني لدى مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إن جزءًا كافيًا من البرنامج النووي الإيراني لا يزال قائمًا بما يسمح لطهران، إذا تُركت من دون تدخل، بإنتاج قنبلة نووية خلال أقل من عام، وربما خلال فترة أقصر بكثير.
بين السطور