تواجه أوكرانيا تحديًا متزايدًا في حماية مدنها من الهجمات الصاروخية الروسية، في ظل نقص حاد في صواريخ اعتراض الصواريخ الباليستية، ما يمنح موسكو فرصة لاستغلال واحدة من أبرز نقاط الضعف في منظومة الدفاع الجوي الأوكرانية.
وخلال الأشهر الماضية، تمكنت كييف من توجيه ضربات مؤثرة إلى قطاعات حيوية روسية، خصوصًا منشآت تكرير النفط، إلا أن موسكو كثفت في المقابل هجماتها بالصواريخ الباليستية على الأراضي الأوكرانية.
موجات صاروخية تتجاوز الدفاعات
وفي إحدى ليالي هذا الأسبوع، تعرضت منطقة العاصمة الأوكرانية لوابل تجاوز 20 صاروخًا باليستيًا ومضادًا للسفن، وفق المعطيات الواردة في التقرير، وتمكنت هذه الصواريخ من اختراق الدفاعات الأوكرانية.
وتعتمد روسيا في هجماتها الجوية على مزيج متنوع من الأسلحة. وخلال هجوم استهدف كييف ولفيف في 30 يونيو/حزيران، قالت القوات الجوية الأوكرانية إن موسكو أطلقت 4 صواريخ مضادة للسفن، و9 صواريخ باليستية، و61 صاروخ كروز، إضافة إلى نحو 300 طائرة مسيرة هجومية.
لكن الصواريخ الباليستية تظل مصدر القلق الأكبر لدى المسؤولين الأوكرانيين، بسبب سرعتها العالية وصعوبة اعتراضها، في وقت تتراجع فيه مخزونات صواريخ الاعتراض الأمريكية الصنع المستخدمة ضمن منظومة «باتريوت».
زيلينسكي يطالب بالمزيد من صواريخ الاعتراض
وتضغط كييف على حلفائها، خصوصًا الولايات المتحدة، لتأمين المزيد من صواريخ اعتراض «باتريوت»، التي تعد من أبرز الأنظمة القادرة على التصدي للصواريخ الباليستية.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في بيان الأربعاء، إن تأخر الشركاء في توريد صواريخ الاعتراض أو عدم توفير أنظمة مضادة للصواريخ الباليستية يؤدي مباشرة إلى سقوط ضحايا.
كما دعا زيلينسكي الدول التي لم تستعد بعد لتقديم دعم أكبر في هذا المجال إلى المساعدة عبر فرض عقوبات جديدة على روسيا، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من إنتاج موسكو للصواريخ الباليستية لا يزال خارج نطاق العقوبات.
3 تهديدات رئيسية للمدن الأوكرانية
تواجه المدن الأوكرانية ثلاثة أنواع رئيسية من التهديدات الجوية: الصواريخ الباليستية، وصواريخ كروز، والطائرات المسيرة.
وتستخدم القوات الروسية قرب خطوط المواجهة أيضًا طائرات مسيرة هجومية صغيرة لاستهداف مركبات ومنشآت، فيما طورت موسكو أساليب تشغيل هذه الطائرات وزادت إنتاجها.
وتنتج روسيا أعدادًا كبيرة من طائرات «غيران-2»، وهي نسخة من الطائرة الإيرانية التصميم «شاهد»، كما أدخلت تعديلات تشمل محركات نفاثة وطائرات مسيرة خادعة بهدف زيادة فاعلية الهجمات.
وفي المقابل، طورت أوكرانيا خبرة واسعة في التصدي للمسيرات، مستفيدة من منظومة دفاعية متعددة الطبقات قادرة على التعامل مع أهداف منخفضة السرعة نسبيًا.
صواريخ كروز.. تهديد منخفض الارتفاع
أما صواريخ كروز، فتختلف عن الطائرات المسيرة في قدرتها على حمل كميات أكبر من المتفجرات، كما تعتمد على محركات نفاثة وتمتلك القدرة على الطيران على ارتفاعات منخفضة، ما يصعب عملية اكتشافها واعتراضها.
ويعد صاروخ «كاليبر» الروسي، الذي تطلقه السفن والغواصات، أحد أبرز الأمثلة على هذا النوع من الأسلحة، ويمكنه التحليق على ارتفاعات شديدة الانخفاض أثناء توجهه إلى هدفه.
الصواريخ الباليستية.. الخطر الأصعب
تختلف الصواريخ الباليستية بصورة كبيرة عن صواريخ كروز من حيث السرعة ومسار الطيران. فبعد مرحلة الدفع بواسطة محركات صاروخية، يصعد الصاروخ إلى ارتفاعات كبيرة قبل أن يبدأ بالهبوط نحو هدفه بسرعة عالية.
ويصل الصاروخ الروسي قصير المدى «إسكندر» إلى سرعات تعادل نحو 6 إلى 7 أضعاف سرعة الصوت، ويمكنه حمل رأس حربي يصل وزنه إلى نحو 700 كيلوغرام.
كما استخدمت روسيا صاروخ «أوريشنيك» الفرط صوتي متوسط المدى في عدد محدود من الضربات ضد أوكرانيا، في رسائل اعتُبرت مؤشرًا على استعداد موسكو لتصعيد الصراع، بينما ظل «إسكندر» أحد الأسلحة الأساسية في الترسانة الروسية.
ويقول مسؤولون أوكرانيون إن روسيا استخدمت كذلك بعض صواريخ الدفاع الجوي «S-400» في مهام هجومية ضد أهداف داخل أوكرانيا.
معركة على إنتاج «باتريوت»
ومع اتساع الهجمات وتراجع مخزون صواريخ الاعتراض، تسعى كييف إلى الحصول على دعم أمريكي لإنتاج منظومة «باتريوت» أو صواريخها الاعتراضية بصورة مشتركة.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد ألمح خلال قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» في أنقرة الشهر الماضي إلى إمكانية منح أوكرانيا ترخيصًا للمشاركة في إنتاج المنظومة.
لكن ترامب بدا لاحقًا أكثر تحفظًا، مؤكدًا أن بلاده تناقش الأمر، إلا أن نقل هذا النوع من التكنولوجيا يمثل مسألة صعبة.
وفي الوقت ذاته، يقول مسؤولون أوكرانيون إن روسيا تحصل على صواريخ باليستية من كوريا الشمالية، الأمر الذي يزيد من حجم الترسانة التي يمكن استخدامها ضد المدن الأوكرانية.
صواريخ كورية شمالية في الترسانة الروسية
وقال فلاديسلاف فلاسيك، مبعوث العقوبات في الرئاسة الأوكرانية، إن كييف حددت استخدام صاروخ كوري شمالي من طراز «KN-23»، الذي يشبه في خصائصه الصاروخ الروسي «إسكندر».
وأضاف أن الصاروخ استخدم مؤخرًا في هجوم أدى إلى تدمير منزل في رادوشنه بمنطقة دنيبروبتروفسك، وأسفر عن مقتل 6 أشخاص، بينهم 3 أطفال، فيما ظل 5 أطفال آخرين في عداد المفقودين، وفق تصريحاته.
وأشار فلاسيك إلى أن «KN-23» يشترك بدرجة كبيرة مع «إسكندر» في التصميم والمكونات، بما في ذلك بعض المكونات المصنعة في دول غربية.
تراجع مخزونات الدفاع الصاروخي
وتزداد المخاوف الأوكرانية في ظل تأثير الحرب الأمريكية الإيرانية على مخزونات أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية.
وبحسب تقرير نقلته شبكة «CNN» عن مصادر مطلعة، استهلك الجيش الأمريكي نحو أربعة أخماس مخزونه من منظومة الدفاع الجوي عالي الارتفاع في المرحلة النهائية «THAAD».
كما تراجع مخزون صواريخ الاعتراض الخاصة بمنظومة «باتريوت» بنحو النصف منذ بداية الحرب، وفق مصدرين مطلعين على بيانات المخزون.
وقالت المحللة العسكرية دارا ماسيكوت، عقب زيارة بحثية إلى أوكرانيا، إن التصدي للصواريخ الباليستية لا يزال يمثل تحديًا بالغ الصعوبة.
وترى ماسيكوت أن أوكرانيا تعرف طبيعة المشكلة والحلول المتاحة، لكنها تحتاج إلى التفكير في بدائل أخرى، بما في ذلك استهداف قدرات روسيا على إطلاق الصواريخ، بدلًا من الاعتماد بصورة أساسية على اعتراضها بعد الإطلاق.
الوقت ينفد أمام المدن الأوكرانية
وبينما تبحث كييف عن بدائل لتعويض النقص في صواريخ الاعتراض، تواصل روسيا توسيع حملتها الصاروخية، ما يزيد الضغط على المدن والمنشآت الحيوية الأوكرانية.
وتشير التطورات إلى أن معركة الدفاع الجوي لم تعد مرتبطة فقط بعدد الأنظمة الموجودة، وإنما بقدرة أوكرانيا على تأمين مخزون مستدام من صواريخ الاعتراض لمواجهة موجات متكررة من الهجمات.
سلاح قديم بتكنولوجيا متطورة
ولا تمثل الصواريخ الباليستية سلاحًا حديث الظهور؛ فقد استخدمت ألمانيا النازية صاروخ «V-2» خلال الحرب العالمية الثانية، كما شهدت الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي ما عُرف بـ«حرب المدن»، التي شهدت تبادلًا مكثفًا لصواريخ «سكود».
لكن قدرات الدفاع ضد الصواريخ الباليستية تطورت بصورة كبيرة منذ الحرب الباردة.
ويعتمد صاروخ الاعتراض «PAC-3» التابع لمنظومة «باتريوت» على إصابة الهدف مباشرة وتدميره بالطاقة الحركية، بدلًا من الاعتماد على رأس حربي تقليدي، في عملية تشبه محاولة إصابة صاروخ بصاروخ آخر.
ومع استمرار الهجمات الروسية، يبقى نقص صواريخ الاعتراض أحد أصعب التحديات أمام الدفاع الجوي الأوكراني، خصوصًا مع تزايد الاعتماد الروسي على الصواريخ الباليستية وارتفاع وتيرة الضربات.
بين السطور