تتصاعد في أوروبا مخاوف سياسية واجتماعية من تحول الأزمات الاقتصادية والمعيشية المتراكمة إلى ما تصفه صحف ومراكز أبحاث غربية بـ"الانفجار الاجتماعي الصامت"، في ظل تنامي الدعم للأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة مع اقتراب استحقاقات انتخابية مهمة في عدد من الدول الأوروبية.
وتواجه المجتمعات الأوروبية ضغوطاً متزايدة بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمة السكن، وتصاعد الجدل حول الهجرة، إلى جانب المخاوف المتنامية من تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف وسوق العمل، وهي عوامل باتت تؤثر بشكل مباشر على المزاج الشعبي واتجاهات التصويت.
أزمة السكن تتفاقم
أصبحت أزمة السكن من أبرز التحديات داخل أوروبا، مع الارتفاع الكبير في أسعار الإيجارات والعقارات، خصوصاً في المدن الكبرى مثل باريس وبرلين ومدريد وأمستردام.
وذكرت تقارير غربية أن ملايين الأوروبيين، خاصة من فئة الشباب، باتوا عاجزين عن شراء منازل أو استئجار مساكن بأسعار مناسبة، ما أدى إلى تصاعد الاحتجاجات والدعوات لتدخل حكومي عاجل.
كما تحولت أزمة السكن من ملف اقتصادي إلى قضية سياسية تؤثر بشكل مباشر على نسب التأييد الشعبي للأحزاب التقليدية.
ضغوط متزايدة على الطبقة الوسطى
وفي موازاة أزمة السكن، تواجه الطبقة الوسطى الأوروبية ضغوطاً معيشية متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والخدمات، رغم تباطؤ معدلات التضخم مقارنة بالعام الماضي.
ويرى الباحث الاقتصادي برانكو ميلانوفيتش أن الشعور بالتراجع الاقتصادي أصبح أقوى من المؤشرات الرسمية، لأن المواطنين يقارنون أوضاعهم الحالية بمستويات المعيشة السابقة، وليس فقط بمعدلات النمو والتضخم.
وتحذر تحليلات أوروبية من أن فقدان الشعور بالاستقرار الاقتصادي يغذي الغضب والإحباط، خاصة لدى الشباب والعائلات متوسطة الدخل.
الهجرة تعود إلى صدارة الجدل
عاد ملف الهجرة بقوة إلى الواجهة السياسية الأوروبية، مع تصاعد الخطاب المتشدد للأحزاب اليمينية التي تربط بين الهجرة والضغط على الخدمات العامة وارتفاع معدلات البطالة والجريمة.
كما بدأت حكومات أوروبية عدة في تبني سياسات أكثر صرامة في ملفات اللجوء والهجرة، تحت ضغط الرأي العام وصعود الأحزاب الشعبوية، بينما أصبحت قضية الهجرة إحدى أبرز الأوراق الانتخابية في دول مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا.
الذكاء الاصطناعي ومخاوف الوظائف
وفي سياق متصل، تتزايد المخاوف الأوروبية من تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، بعدما بدأت مؤسسات وشركات باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في قطاعات الإعلام والخدمات والإدارة والتكنولوجيا.
وترى الباحثة البريطانية هيلين تومسون أن القلق الحالي لا يرتبط فقط بفقدان الوظائف، بل بالخوف من تراجع منظومة الأمان الاجتماعي التي شكلت أساس الاستقرار الأوروبي لعقود.
وتشير تحليلات غربية إلى أن الذكاء الاصطناعي بات يُنظر إليه في أوروبا باعتباره عاملاً قد يعيد تشكيل الطبقات الاجتماعية وسوق العمل بصورة عميقة.
صعود اليمين المتطرف
وفي ظل هذه الأزمات المتشابكة، تحقق الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة تقدماً ملحوظاً في استطلاعات الرأي الأوروبية، مستفيدة من الغضب الشعبي تجاه الحكومات التقليدية.
وترى مراكز أبحاث ومراقبون أن أوروبا تواجه ما يُعرف بـ"الغضب البارد"، وهو توتر اجتماعي متراكم لا يظهر دائماً عبر احتجاجات واسعة، لكنه ينعكس تدريجياً في صناديق الاقتراع وصعود الحركات الاحتجاجية والأحزاب المتشددة.
من زوايا العالم
من زوايا العالم