تحدَّث عضو قيادة مركز الدّفاع الشَّعبي (YPG) مراد قره يلان لوكالة فرات للأنباء ANF عن شهداء شهر أيار، مشيراً إلى مكانة هذا الشّهر في تاريخ النّضال، وذكر أنَّ العديد من رفاقهم استشهدُوا خلاله، واستذكر شهداء أيار بكلّ احترام وامتنان، مؤكّداً أنَّ العهد الّذي قطعوه للشّهداء يشكّل الأساس الجوهري لنضالهم.
ويُسْتَقْبَلُ شهر أيار باعتباره شهر الشُّهداء، ويُعتبر الثَّامن عشر من أيار يوم الشُّهداء، فما سبب ذلك؟ ومتى اتُّخذ هذا القرار في مسيرتكم النّضاليَّة؟ وكيف ينبغي إحياء هذا اليوم؟
في البداية، أشار القيادي الكردي، مراد قره يلان إلى أنه يستذكر بكلّ امتنان واحترام جميع شهداء شهر أيار وكلّ شهداء الثَّورة، وفي مقدمتهم الشَّهيد الكبير الرَّفيق حقّي قرار، وانحني بإجلال أمام ذكراهم، وأجدّد مرةً أخرى، بمناسبة هذا اليوم المقدّس، عهدنا الّذي قطعناه لهم، سنبقى أوفياء لعهدنا حتَّى النّهاية، وسنحوّل جميع أحلامهم إلى حقيقة ليبقوا خالدين.
في عام 1981 عُقِدَ المؤتمر الأول لحزب العمال الكردستاني (PKK)، وخلاله تقرَّرَ أنْ يكون يوم استشهاد الرَّفيق حقّي قرار يوماً لجميع شهداء كردستان، كما تقرَّرَ أنْ يكون شهر أيار شهر الشُّهداء، ومنذ ذلك الحين يُحيى هذا اليوم وهذا الشَّهر باعتبارهما يوماً وعيداً للشُّهداء.
للشُّهداء معانٍ كبيرة بالنّسبة لنا، وفي كلّ حركة نضاليَّة يكون للشُّهداء مكانة خاصَّة، لكن في الحركة الآبوجيَّة يحمل هذا المعنى عمقاً أكبر، فحركتْنا قائمةٌ على هذا الأساس من الإيمان والرّفاقيَّة، ولذلك فإنَّ للشّهداء مكانة خاصَّة وعميقة لدينا.
في كلّ عام نستقبل يوم الشُّهداء وشهر الشُّهداء كيوم نعيش فيه مع الشُّهداء؛ أيّ أنْ نسأل أنفسنا: إلى أيّ مدى أوفينا بواجباتنا تجاههم؟ وإلى أيّ حدّ بقينا مخلصين لعهودنا؟ إلى أيّ مدى نحن جديرون بالشُّهداء في نضالنا وحياتنا؟ فالشُّهداء هم أبطالنا، وعلينا أنْ نحاسب أنفسنا حول مدى ولائنا للرّفاقيَّة، ويجب على جميع رفاقنا، وعائلات الشُّهداء، ومحبّينا، وكلّ الوطنيين في كردستان، أنْ يتعاملوا مع هذه الأيام بهذه الطَّريقة.
أيّ أنْ يجعلوا منها أياماً للمحاسبة الذَّاتيَّة: ما هو موقفنا أمام حقيقة الشُّهداء؟ وإلى أيّ حدّ نحن جديرون بهم؟ وما أوجه النّقص لدينا؟ وإلى أيّ مدى نسير على خُطى الشُّهداء الأبطال وعلى نهج القائد آبو؟ وهل كنّا على مستوى مسؤوليّات العصر؟ وأين تكمن نواقصنا؟ وكيف يمكننا تجاوزها؟ علينا بالتَّأكيد أنْ نمثّل أمام حقيقة الشُّهداء رفاقيَّة صادقة ونبقى أوفياء لعهدنا؛ فالعهد شرف وكرامة، ولا يجوز انتهاك ذلك، لأنَّ الشَّرف والكرامة هو الإنسانيَّة ذاتها. ولذلك يجب أنْ نسأل أنفسنا: كيف سنبقى أوفياء لكرامتنا وعهدنا؟ وبأيّ جهدٍ وأسلوبٍ حياة ونضال سنحافظ على هذا الوفاء؟ لذلك ينبغي للجميع أنْ يستقبلوا هذه الأيام المقدسة ذات البعد المعنوي بهذه الطَّريقة.
كما قلت، فإنَّ دور الشُّهداء في حركتنا كبيرٌ جداً. فعندما ينظر الإنسان إلى تاريخ البشريَّة، يرى أنَّ المجتمعات الّتي لا تستطيع أنْ تُنشئ أبطالها، أو لا تستطيع الحفاظ على أبطالها الموجودين، لا تنال الحرّيّة أبداً وتبقى مستعبدة، ثمَّ تندثر لاحقاً، أيّ أنَّ المجتمع لكي يحافظ على وجوده، يحتاج إلى الحماية، وهذه الحماية لا تكون عسكريَّة فقط، بل ثقافيَّة ولغويَّة وقيميّة أيضاً، والمجتمعات الّتي تصنع أبطالها بهذه الطَّريقة تستطيع الاستمرار في الوجود، أما الّتي لا تصنع أبطالاً فإنَّها تنهزم ويضيع وجودها وتبقى كالعبيد.
وبالطَّبع فإنَّ الأبطال يظهرون ضمن ظروف تاريخيَّة مناسبة، فلا يمكن لأيّ شخصٍ أنْ يصبح بطلاً بمجرد الرَّغبة الشَّخصيَّة، بل يجب أنْ تكون الظَّروف التَّاريخيَّة مهيأة لظهور الأبطال، كما يجب أنْ يستند البطل إلى وعي وإيمان وإرادة راسخة، وأنْ يكون قادراً على التَّضحيَّة لحماية المجتمع ومنع فنائه، ومن دون وعي ومعرفة لا يمكن أنُ يتحقّق ذلك، لذلك فإنَّ ظهور الأبطال يتطلب وجود فكر وإدراك وإيمان يمكنه أنْ يؤدي دوراً داخل المجتمع.
وعندما ننظر إلى تاريخ شعبنا، نرى أنَّ الشَّعب الكردي يطلق على أبطاله اسم "عكيد" أيّ الشّجعان. فقد كان ولا يزال لدى الكرد أبطال وشجعان يناضلون ويقاتلون ويضحون من أجل عشيرتهم أو مجتمعهم، لا من أجل أنفسهم بل من أجل شعبهم ومحيطهم، حتّى إنذَهم يضحون بحياتهم لأجل ذلك. لكن لكي ينجح هؤلاء الأبطال، عليهم أنْ يقرأوا المرحلة بشكلٍ صحيح.
كما هو معروف، فقد مورست في كردستان سياسات الإبادة الجسديَّة ثمَّ سياسات التَّذويب والصَّهر القومي، وخاصة في شمال كردستان خلال سبعينيات القرن الماضي، حيث أصبح وجود المجتمع الكردي ذاته موضع نقاش بسبب سياسات القمع والمجازر والاغتيالات، ثمَّ سياسات الاستيعاب الواسعة. وفي الفترة نفسها تعرضت الحركة الموجودة في جنوب كردستان أيضاً للهزيمة، ما خلق حالة إحباط عميقة داخل المجتمع الكردي.
وفي لحظةٍ تاريخيَّةٍ حرجةٍ، حين ضعفت الثّقة وفقد المجتمع الأمل، ظهر القائد آبو تاريخيَّاً، فقد استخلص الدَّروس من التَّجارب السَّابقة، وربط بين عمق الثَّقافة الميزوبوتاميَّة للشَّعب الكردي وبين معارف العصر الحديث، وطوّر على هذا الأساس تحليلات وأيديولوجيا جديدة، وخلال بناء هذه الأيديولوجيَّا جرى التَّأكيد على أنَّ الوطن يتجه نحو الزَّوال، وأنَّ مجرد التَّلفُّظ باسم كردستان يحتاج إلى شجاعة، وأنَّ العمل الثذَوري في مثل هذه الظَّروف يتطلب تضحيات عظيمة، كترك الدّراسة والعمل والتَّخلي عن كلّ شيء، بل وحتّى تقديم الحياة نفسها، فالمجتمع الكردي في كردستان كان يواجه خطر الإبادة، ومن أجل منع ذلك كان لا بدَّ من الاستعداد لتحمل كلَّ أنواع الصّعوبات والآلام. وعلى هذا الأساس جرى تطوير النّضال الأيديولوجي وبناء الكوادر، وهو ما أسس لثقافة البطولة في كردستان.
ومن هنا بدأت مسيرة النّضال، وكانت شهادة 18 أيار من أولى الشَّهادات الكبرى، وقبلها استشهد بعض الرّفاق، لكن الشَّهيد المركزي والأبرز كان حقّي قرار، رفيق القائد آبو، وقد أدَّت شهادته، ثمَّ شهادة خليل جافكون بعد عام، إلى تطوّرات مهمّة أدَّت في الوقت نفسه إلى طرح مسألة تأسيس الحزب وتطويرها، وتمَّ بناء الحزب على هذا الأساس.
ثمَّ تواصلت هذه المسيرة مع بطولات مقاومة السَّجون مثل مظلوم دوغان، وفرهاد كورتاي ورفاقه، ومقاومي 14 تموز، ثمَّ مقاومات الجبال بقيادة "عكيد" وأردال وبدرخان، وكذلك مقاومات الشَّوارع بقيادة النّساء المناضلات مثل بيريفان، وكلّ هذه البطولات صنعت تقاليد البطولة في كردستان ووسعتها باستمرار.
إنَّ القضايا الكبرى تحمل أهدافاً كبرى. فهدف ثوار كردستان هو إنقاذ كردستان من الفناء والتَّحرّر وبناء الكونفدراليَّة الدّيمقراطيَّة في الشَّرق الأوسط. أيّ أنَّ الشَّعب الكردي لا يسعى فقط لإنقاذ نفسه، بل أيضاً شعوب المنطقة قاطبة، وهذه الحقيقة تعني أنَّ كردستان كانت تقف على حافة الإبادة الجماعيَّة، ولا يجوز للإنسان أنْ يبقى صامتاً أمام ذلك، لأن من يصمت يفقد إنسانيّته. ومن يعتبر نفسه إنساناً يجب أنْ يدافع عن هذه الحقيقة ويناضل من أجلها.
وقد ثبت أنَّ الأبطال الّذين تحركوا بهذه الرَّوح تركوا تأثيرًا عظيمًا في المجتمع. فمن خلال حياتهم ونشاطهم وصمودهم ونضالهم، وحدوا أنفسهم مع تطلعات المجتمع، وجعلوا أنفسهم فداءً لقضاياه. وعندما رأى المجتمع أنَّ أسلوب حياتهم بسيط وصادق ومكرس للحرّيّة، وأنَّ أقوالهم تنسجم مع ممارساتهم، وعندما استشهدوا في السَّاحات، استيقظ النَّاس من سباتهم وولد الإيمان من جديد.
وهكذا سار المجتمع خلفهم، لأنَّ النَّاس عندما يرون أنَّ هؤلاء يضحون بحياتهم من أجل قضيَّة المجتمع، فإنَّهم أيضاً ينهضون ويضحون. ومن خلال هذه البطولات والتَّضحيات والشَّجاعة عاد الأمل إلى المجتمع، واستعاد النَّاس قدرتهم على الوقوف من جديد. لذلك فإنَّ الّذين نهضوا بالمجتمع هم الأبطال والشُّهداء.
وقد خلق نضال التَّحرّر الكردستاني وعياً جديداً لدى الشَّباب والفتيات الكرد، وأدَّى إلى تطور البطولة واتساع النّضال وتحوله إلى حركة جماهيريَّة، وكثيرون يخطئون عندما يتحدثون عن جماهيريَّة حزب العمال الكردستاني، لأنَّ الحزب أصبح جماهيريَّاً بفضل المجتمع وبفضل الأبطال والشُّهداء، حيث سار المجتمع خلفهم بإيمان، فتحوّلت الحركة إلى ما يشبه كرة الثَّلج الّتي تكبر باستمرار، وبلغت ذروتها الجماهيريَّة في التّسعينيات.
وقد ساهم ذلك في تطوير إنسانيذَة الإنسان في كردستان وبناء إرادته، سواء في مقاومات السَّجون أو الجبال. ويمكن القول إنَّ الإنسان يستطيع أنْ يضحي بنفسه بسهولة من أجل قضيَّة مقدسة. فعلى سبيل المثال، في 17 أيار 1982، داخل سجن آمد، قام فرهاد كورتاي ومحمود زنكي وأشرف آنيك ونجمي أونر بإعداد أنفسهم سراً وأحرقوا أجسادهم. وعندما حاول الآخرون إطفاء النَّار، طلبوا منهم ألّا يفعلوا ذلك وألّا يخونوا القضيَّة، ثمَّ مضوا إلى الشَّهادة بابتسامة وإيمان.
وكذلك فعلت الطَّالبة الكرديّة زكية آلكان، طالبة كلية الطَّب في آمد، عندما قالت : إنَّ نوروز يُحتفل به هكذا، وأضرمت النَّار في جسدها على أسوار المدينة. وهذه التَّضحيات، سواء من النّساء أو الرّجال، تعبر عن إيمان وشجاعة وحماس عظيمين.
وهكذا صنعت هذه التَّضحيات الجماهيريَّة ووسعت مسيرة حرّيَّة كردستان. ولهذا فإنَّ الشُّهداء يحملون هذه المعاني في تاريخنا. أيّ أنَّ ما بنيناه اليوم قائم على فكر القائد وعلى مقاومة وتضحيات الشُّهداء.
من زوايا العالم
القصة كاملة