تمثل اللغة عبر التاريخ أكثر من مجرد وسيلة تواصل، بل هي تعبير عن الهوية وذاكرة الجماعات وانتمائها، ما يجعل التعامل معها مسألة سياسية بقدر ما هي لغوية. وفي هذا الإطار، تعكس اللغة الكردية في كل من تركيا وسوريا طبيعة العلاقة بين الدولة والمكونات، ومفهوم المواطنة في سياقين مختلفين يجمعهما قاسم مشترك يتمثل في حساسية ملف الاعتراف بالحقوق اللغوية.
في تركيا، ارتبطت القيود المفروضة على اللغة الكردية لعقود بمشروع بناء هوية وطنية مركزية، قائم على تصور يعتبر التعدد اللغوي تهديداً لوحدة الدولة. ومع مطلع الألفية، وفي إطار إصلاحات سياسية محدودة، سُمح بهامش جزئي لتعليم اللغة الكردية وببعض البث الإعلامي، إلا أن هذا الانفتاح بقي محدوداً من الناحية العملية، إذ لم يرافقه دعم مؤسسي حقيقي أو إدماج فعلي في التعليم والإدارة والقضاء، ما جعل الفجوة بين النص القانوني والتطبيق واسعة.
وتواجه اللغة الكردية في تركيا اليوم عقبات تتعلق بالممارسة أكثر من التشريع، حيث يستمر التعليم الرسمي باللغة التركية حصراً، بينما تبقى البدائل التعليمية غير مستقرة، ولا تُستخدم اللغة الكردية في المحاكم أو الإدارات، كما يخضع الفضاء الإعلامي لضغوط قانونية وأمنية متكررة، الأمر الذي يحد من حضورها في المجال العام.
في المقابل، تقدم مناطق إقليم شمال وشرق سوريا نموذجاً مختلفاً، إذ اعتمدت الإدارة الذاتية اللغة الكردية إلى جانب العربية والسريانية كلغات رسمية في التعليم والمؤسسات. ويشير الكاتب الصحفي جون سواز إلى أن هذا التحول يعكس مشروعاً سياسياً يقوم على التعددية اللغوية، من خلال إعداد مناهج تعليمية باللغة الكردية وتدريب المعلمين وإدماجها في المؤسسات الرسمية.
ورغم هذا التقدم، لا يزال هذا النموذج يفتقر إلى اعتراف رسمي من الدولة السورية، ما يجعل الشهادات التعليمية الصادرة عنه غير معترف بها وطنياً، ويضع الطلاب أمام عوائق عند محاولة الالتحاق بالمؤسسات الرسمية. ولم يطرأ تغيير جوهري على موقف الدولة في هذا الملف، إذ لا يزال خطاب “الوحدة الوطنية” يُستخدم لتبرير التحفظ على الحقوق اللغوية.
في هذا السياق، يرى الكاتب الصحفي سعيد محمد أحمد أن المقارنة بين التجربتين تكشف مفارقة واضحة: في تركيا إجازة دون تمكين، وفي سوريا تمكين دون اعتراف، بينما تبقى النتيجة واحدة، وهي بقاء اللغة في هامش النظام القانوني والسياسي دون حماية مستدامة.
ويخلص التقرير إلى أن الحقوق اللغوية ليست منحة سياسية، بل التزام حقوقي يقاس بمدى توافق القوانين مع التطبيق الفعلي، وهو ما لا يتحقق بشكل كامل في الحالتين، رغم اختلاف السياقات، مع استمرار إدارة الملف اللغوي بما يخدم اعتبارات سياسية أكثر من كونه استجابة لحقوق ثقافية ولغوية.
من زوايا العالم