بث تجريبي

من شيكاغو إلى العالم… كيف صنعت «8 ساعات» عيد العمال؟

يُعدّ عيد العمال العالمي، الذي يُحتفل به في الأول من مايو من كل عام، من أبرز المناسبات المرتبطة بحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، فهذا اليوم لا يقتصر على الطابع الاحتفالي، بل يحمل تاريخًا طويلًا من نضال الطبقة العاملة من أجل تحسين بيئة العمل وانتزاع حقوق أساسية غيّرت شكل الحياة المهنية حول العالم.

يرمز عيد العمال إلى تقدير دور العمال في بناء الدول، وفي الوقت نفسه يستحضر المعارك التي خاضوها للحصول على حقوق مثل تحديد ساعات العمل، وتحسين الأجور، وتوفير ظروف عمل إنسانية.

تعود جذور الحركة العمالية المنظمة إلى عام 1869 في مدينة فيلادلفيا بالولايات المتحدة، مع تأسيس منظمة «فرسان العمل» التي جمعت عمالًا من قطاعات متعددة بهدف المطالبة بتحسين الأجور وتقليل ساعات العمل.

لكن التحول الأبرز جاء في عام 1886، عندما شهدت الولايات المتحدة موجة إضرابات واسعة شارك فيها مئات الآلاف من العمال للمطالبة بتطبيق نظام 8 ساعات عمل يوميًا بدلًا من الساعات الطويلة التي كانت تصل إلى 16 ساعة، وفي الأول من مايو من العام نفسه، اندلعت أكبر حركة إضراب شهدتها البلاد آنذاك، وارتفع الشعار الشهير: «8 ساعات للعمل، 8 ساعات للراحة، 8 ساعات للنوم».

بلغت الاحتجاجات ذروتها في مدينة شيكاغو خلال أحداث «هايماركت»، حيث وقعت مواجهات دامية بين الشرطة والمتظاهرين أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، وتحولت تلك الأحداث إلى رمز عالمي للنضال من أجل حقوق العمال، وكان لها تأثير مباشر على تطور الحركة العمالية في الولايات المتحدة وأوروبا.

في عام 1889، وخلال المؤتمر التأسيسي للأممية الثانية في باريس، تقرر اعتماد الأول من مايو يومًا عالميًا للعمال، ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا اليوم مناسبة سنوية لإحياء ذكرى النضال العمالي والمطالبة المستمرة بتحسين بيئة العمل ومواجهة أشكال الاستغلال.

في مصر، بدأت ملامح الاحتفال بعيد العمال مبكرًا في عشرينيات القرن الماضي، حين نظمت النقابات العمالية في الإسكندرية فعاليات ومظاهرات للمطالبة بالحقوق، إلا أن التحول الأبرز جاء في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، الذي أعاد صياغة العلاقة بين الدولة والطبقة العاملة واعتبر العمال شركاء أساسيين في عملية التنمية.

وفي عام 1964، أصبح الأول من مايو عطلة رسمية في الدولة، وأصبح من التقاليد السنوية أن يُلقي رئيس الجمهورية خطابًا موجهًا للعمال يستعرض فيه جهود الدولة لدعمهم وتحسين أوضاعهم.

تمتد جذور الحركة العمالية في مصر إلى عصور قديمة، حيث عرفت مصر نظمًا لتنظيم العمل داخل المدن، وفي العصور الوسطى ظهر نظام «الطوائف الحرفية» بإدارة «شيخ الطائفة» للفصل في النزاعات وتحديد الأجور، واستمر هذا النظام حتى إلغائه في يناير 1890.

أما بدايات العمل النقابي الحديث، فكانت مع تأسيس نقابة عمال السجائر عام 1898، التي تُعد أول نقابة عمالية في مصر. وفي عام 1924، احتفل عمال الإسكندرية بعيد العمال بشكل مستقل للمرة الأولى، ورغم فترات المنع والقيود خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، استمرت الحركة العمالية في نشاطها حتى حصلت على اعتراف رسمي كامل بعد عام 1952.

صدر أول قانون يعترف بالنقابات العمالية في مصر عام 1942، ثم تقرر اعتماد الأول من مايو عطلة رسمية عام 1964. ويقوم النظام النقابي الحالي على هيكل تنظيمي متدرج يبدأ باللجان النقابية داخل مواقع العمل، ثم النقابات العامة لكل قطاع، وصولًا إلى الاتحاد العام لنقابات عمال مصر الذي يضم ملايين العمال عبر 23 نقابة عامة تمثل مختلف القطاعات.

ومع مرور الوقت، اختلفت أشكال الاحتفال بعيد العمال من دولة لأخرى؛ ففي بعض البلدان أصبح يومًا رسميًا للاحتفال، بينما ظل في دول أخرى مرتبطًا بالتظاهرات والمطالب النقابية، وفي دول أوروبا الشرقية، كان لعيد العمال حضور قوي خلال الحقبة الاشتراكية، قبل أن يتراجع نسبيًا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي.

ورغم هذه التحولات، يظل الأول من مايو رمزًا عالميًا للتضامن العمالي، ويُحتفل به في عشرات الدول كعطلة رسمية تعبّر عن تقدير دور العمال في بناء المجتمعات.

عيد العمال ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل قصة ممتدة من النضال الإنساني من أجل الكرامة في العمل. من شوارع شيكاغو في القرن التاسع عشر إلى الاحتفالات الرسمية اليوم، يظل هذا اليوم شاهدًا على رحلة طويلة من التغيير الاجتماعي والتشريعي الذي أعاد تعريف علاقة الإنسان بالعمل.

قد يهمك