في ظل تصاعد الحرب المرتبطة بإيران وتداعياتها الإقليمية والدولية، تتحرك الصين على مسارات سياسية واقتصادية وعسكرية متعددة، بهدف استثمار التحولات الجارية لإعادة صياغة موقعها داخل النظام الدولي، مستندة إلى قراءة دقيقة لسلوك الولايات المتحدة وانعكاسات الصراعات على توازن القوى العالمي.
تحركات دبلوماسية
خلال الأيام الماضية، استقبل الرئيس الصيني شي جين بينج رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في بكين، مؤكدًا في كلمته أن العالم يمر بحالة من الاضطراب، وأن احترام القانون الدولي يعكس منظومة القيم لدى الدول.
وشدد على ضرورة مواجهة ما وصفه بـ"قانون الغاب"، والدفاع عن التعددية الدولية، في إشارة ضمنية إلى سياسات دونالد ترامب تجاه إيران. ورأت صحيفة "ذا تليجراف" أن هذه التصريحات تمثل أول موقف علني واضح لبكين تجاه الحرب، وتعكس توجهًا لاستثمارها سياسيًا.
استراتيجية توظيف الأزمة
تسعى بكين إلى تقديم نفسها كقوة مسؤولة تسعى للاستقرار، في مقابل تصوير واشنطن كقوة متقلبة، مستفيدة من تداعيات الصراع لتعزيز حضورها الدولي. ويستند هذا التوجه إلى نهج صيني يقوم على تحويل الأزمات إلى فرص.
في المقابل، يراقب الجيش الصيني عن كثب الأداء العسكري الأمريكي، بهدف تحليل التكتيكات والأسلحة المستخدمة، في وقت تستفيد فيه الصين من اضطراب أسواق الطاقة، نظرًا لمكانتها المتقدمة في قطاع الطاقة المتجددة وسلاسل الإمداد المرتبطة بها.
مكاسب سياسية وصورة دولية
يرى خبراء أن الحرب تمنح الصين فرصة لإبراز الولايات المتحدة كعامل عدم استقرار، ما يعزز خطابها الداعي إلى نظام دولي أكثر توازنًا. وتشير تقديرات مؤسسات دولية إلى تحسن صورة الصين عالميًا، مقابل تراجع صورة الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، تستفيد بكين من إعادة توظيف خطاب أمريكي سابق كان ينتقد "منطق القوة"، لتوجيهه الآن ضد واشنطن، وهو ما يعد مكسبًا دبلوماسيًا لافتًا.
تصدعات في التحالفات الغربية
أثارت السياسات الأمريكية تجاه الحرب انتقادات أوروبية، خاصة مع توتر العلاقة بين واشنطن وحلفائها، بما في ذلك انتقادات حلف شمال الأطلسي. وفي هذا الإطار، تتجه بعض الدول الأوروبية لإعادة تقييم علاقاتها مع الصين، ما يمنح بكين فرصة لتعزيز حضورها الدبلوماسي.
كما تحاول الصين الظهور كوسيط محتمل بين الأطراف، من خلال دعم مسارات التهدئة، رغم محدودية دورها الفعلي، لكنها تحقق مكاسب معنوية عبر هذا الدور.
دروس عسكرية ومراقبة الصراعات
تتابع بكين تطورات النزاعات في مناطق متعددة، من بينها أوكرانيا والحرب المرتبطة بإيران، بهدف استخلاص الدروس وتحسين جاهزيتها العسكرية.
وأظهرت هذه الصراعات قدرة الحروب غير المتكافئة على التأثير في القوى الكبرى، حيث نجحت أدوات منخفضة التكلفة في مواجهة أنظمة دفاعية متقدمة، وهو ما تدرسه الصين بعناية ضمن خططها المستقبلية.
ورغم ذلك، تشير تقديرات إلى أن الصين لا تزال غير مستعدة لمواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة، بسبب محدودية خبرتها القتالية مقارنة بواشنطن.
اقتصاد الطاقة وموازين القوى
تعزز الصين نفوذها عبر سيطرتها على سلاسل إمداد الطاقة المتجددة، من المواد الخام إلى المنتجات النهائية، مثل الألواح الشمسية والمركبات الكهربائية، ما يجعل التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة مرتبطًا بها بشكل وثيق.
وتدرك بكين أن الأدوات الاقتصادية قد تكون حاسمة في الصراعات، لذلك تسعى إلى تقليل اعتمادها على الغرب، وتعزيز الاكتفاء الذاتي تحسبًا لأي تصعيد مستقبلي.
في المجمل، تحاول الصين تحقيق توازن دقيق بين دعم الاستقرار الدولي والاستفادة من تراجع النفوذ الأمريكي، مع إدراكها أن أي انهيار غير منضبط للنظام العالمي قد يخلق فوضى لا تخدم مصالحها.
فضاءات الفكر
من زوايا العالم