بث تجريبي

من مهاباد إلى المشنقة.. قصة قاضي محمد في ذكرى إعدامه الـ79

في ساحة “چوارچرا” وسط مدينة مهاباد، حيث أُعلن قبل عام واحد فقط قيام جمهورية كردستان، انتهت حياة رجل تحوّل إلى رمز في الذاكرة القومية الكردية. هناك، في فجر 31 آذار/مارس 1947، أُعدم قاضي محمد، رئيس الجمهورية الفتية، لتُطوى صفحة تجربة سياسية قصيرة، لكنها بقيت حاضرة في وجدان شعبه.

وُلد قاضي محمد في مدينة مهاباد، ونشأ في بيئة دينية واجتماعية مؤثرة، ما أتاح له مكانة بارزة بين أبناء منطقته. ومع تصاعد الاضطرابات خلال الحرب العالمية الثانية، برز اسمه كأحد القادة السياسيين الذين سعوا لتنظيم الصف الكردي، مستفيدًا من التحولات الإقليمية والدولية التي أعادت رسم ملامح المنطقة.

في 22 كانون الثاني/يناير 1946، أعلن قاضي محمد قيام جمهورية كردستان في مهاباد، مستندًا إلى دعم سوفيتي غير مباشر، وإلى حالة الفراغ التي خلّفها ضعف السلطة المركزية في إيران آنذاك. وخلال أشهر قليلة، حاولت الجمهورية ترسيخ مؤسساتها، فاعتمدت اللغة الكردية في التعليم والإدارة، وشكّلت قوة عسكرية بدعم من قوات البارزاني بقيادة ملا مصطفى البارزاني.

لكن هذه التجربة لم تعمّر طويلًا. فمع تغيّر موازين القوى، توصّلت طهران إلى تفاهمات مع الاتحاد السوفيتي، تضمنت وعودًا بمنح امتيازات نفطية مقابل انسحاب القوات السوفيتية من شمال إيران. وبانسحاب هذا الغطاء، وجدت الجمهورية نفسها مكشوفة أمام تقدم الجيش الإيراني.

حاول قاضي محمد تجنيب المنطقة مواجهة دموية، ففتح باب التفاوض، على أمل الوصول إلى تسوية تحفظ الأرواح. غير أن تلك المساعي لم تنجح، إذ دخلت القوات الإيرانية مهاباد، واعتقلت قادة الجمهورية.

أُحيل قاضي محمد إلى محاكمة وُصفت بأنها صورية، انتهت بإصدار حكم الإعدام بحقه، إلى جانب شقيقه وابن عمه. وفي الساحة ذاتها التي شهدت إعلان الجمهورية، نُفذ الحكم، في مشهد ترك أثرًا عميقًا في الذاكرة الكردية.

ورغم أن عمر جمهورية مهاباد لم يتجاوز 11 شهرًا، فإنها شكّلت أول تجربة حديثة لبناء كيان سياسي كردي، ورسّخت مفاهيم الهوية والمؤسسات. ويرى مؤرخون أن سقوطها جاء نتيجة مباشرة لتقاطع المصالح الدولية، حيث غلّبت القوى الكبرى حسابات النفوذ والطاقة على أي اعتبارات أخرى.

اليوم، وبعد 79 عامًا، لا يزال اسم قاضي محمد حاضرًا في الخطاب السياسي والثقافي الكردي، بوصفه رمزًا لمرحلة مفصلية، وقصة قائد ارتبط مصيره بتحولات كبرى رسمت مسار المنطقة.

قد يهمك