يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كرر لسنوات أن زمن تغيير الأنظمة بالقوة الأمريكية قد انتهى، أعاد النظر في أحد أبرز شعاراته السياسية التي أسهمت في صعوده إلى البيت الأبيض لولايتين غير متتاليتين.
ووفق تقرير نشرته وول ستريت جورنال، فقد بنى ترامب جزءاً كبيراً من خطابه السياسي على انتقاد ما سماه "حروب واشنطن الأبدية"، محذراً خلال حملاته الانتخابية من مخاطر إسقاط الأنظمة بالقوة، وهي الرسالة التي شكلت ركيزة أساسية لحركة "أمريكا أولاً".
وترى الصحيفة أن الحرب الجديدة ضد إيران تمثل تحولاً جذرياً في نهج ترامب، الذي صعد نجمه السياسي عبر الدعوة إلى تقليص التدخلات العسكرية الخارجية، في وقت تصاعد فيه إرهاق الرأي العام الأمريكي من الحروب الممتدة. فبعد تسعة أشهر فقط من حرب الأيام الـ12 ضد إيران، أطلق ترامب عملية عسكرية واسعة النطاق تُعد الأكبر في المنطقة منذ عقدين، داعياً الإيرانيين إلى "تولي زمام الحكم" بدعم أمريكي. وفي المقابل، أقر بسقوط أربعة جنود أمريكيين حتى الآن، مع احتمال ارتفاع الخسائر إذا استمرت العمليات.
وبحسب التقرير، جاء إطلاق عملية "الغضب الملحمي" نتيجة تداخل عدة عوامل، أبرزها تعثر التوصل إلى اتفاق يقيّد البرنامج النووي الإيراني، إضافة إلى تراكمات سياسية وشخصية لدى ترامب تجاه طهران، إلى جانب قناعة متنامية داخل إدارته بأن تغيير النظام لا يعني بالضرورة تكرار تجربة العراق. كما أشارت الصحيفة إلى دافع آخر يتمثل في سعي ترامب لتحقيق إنجاز تاريخي في إيران، وهو ما لم يتمكن أي رئيس أمريكي من تحقيقه منذ نحو خمسة عقود.
ونقل التقرير أن حلفاء ترامب، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إضافة إلى عدد من النواب الجمهوريين، أكدوا له خلال الأشهر الماضية أن الحكومة الإيرانية تمر بأضعف مراحلها، وحثوه على استثمار الفرصة لإسقاط النظام، وقد عزز اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين هذا التوجه.
وترى الصحيفة أن توجه ترامب الأخير يعكس قناعة متزايدة لديه بإمكانية استخدام القوة الساحقة لإجبار خصوم واشنطن على التراجع، ليس في إيران فقط، بل أيضاً في فنزويلا وكوبا. فبعد ما اعتبره نجاحاً للعملية التي أطاحت بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بات ترامب يعتقد أنه توصل إلى صيغة تتيح إسقاط زعيم معادٍ وانتزاع تنازلات منه دون الانخراط في تدخل عسكري مفتوح طويل الأمد، وتشير المصادر إلى أن مقاربة مشابهة طُرحت للنقاش بشأن كوبا.
مع ذلك، تصف مصادر مطلعة ما حدث في إيران بأنه خطوة عالية المخاطر، إذ إن اغتيال خامنئي وكبار مساعديه قد يفتح الباب أمام صراع إقليمي أوسع، ويهدد بزعزعة استقرار البلاد وجرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة جديدة في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، قال إليوت أبرامز، الذي شغل منصب مبعوث ترامب إلى إيران وفنزويلا خلال ولايته الأولى، إن ترامب يسعى إلى ترسيخ صورته كشخصية تاريخية مفصلية، معتبراً أن تغيير النظام في كوبا أو إيران سيُحدث تحولاً جذرياً في موازين المنطقة.
ولفت التقرير إلى أن مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون أمضى سنوات في محاولة إقناع ترامب بتغيير النظام في إيران، قبل أن يُقال من منصبه إثر خلافات حادة حول السياسة الخارجية، بعدما وصفه ترامب سابقاً بأنه من "دعاة الحروب".
ورغم ذلك، عبّر بولتون عن دهشته من الضربات الأخيرة، مشيراً إلى أن إسقاط نظام يحكم بلداً يضم نحو 92 مليون نسمة لن ينتهي على الأرجح بـ"إعلان نصر سريع"، كما يفضّل ترامب.
ومن خلال تبني عملية مستدامة لتغيير النظام في إيران، يكون ترامب قد تراجع عملياً عن قاعدته القديمة التي تقوم على إنهاء التدخلات العسكرية سريعاً. وبعد إعلان مقتل خامنئي، ترك الرئيس الأمريكي الإطار الزمني للعمليات مفتوحاً، مؤكداً استمرار "القصف المكثف والدقيق" طالما كان ذلك ضرورياً لتحقيق السلام.
وبحسب مسؤولين حاليين وسابقين، فإن ترامب في ولايته الثانية أصبح أكثر استعداداً لاستخدام القوة العسكرية، مستنداً إلى قاعدته الشعبية، بشرط تجنب التورط في حرب برية واسعة. ورغم تقديمه نفسه بصفته "رئيس السلام"، فإن العملية الإيرانية تمثل، في نظره، تتويجاً لتلك الرؤية عبر إنهاء ما وصفه بنظام "هدد الأمريكيين لعقود"، في خطوة قد تعيد رسم ملامح السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط لسنوات مقبلة.
من زوايا العالم
من زوايا العالم
من زوايا العالم
من زوايا العالم
من زوايا العالم