رغم الجهود التي تبذلها الإدارة الأمريكية الجديدة لإنهاء الحرب الروسية-الأوكرانية، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار القتال، نظرًا لتمسك موسكو وكييف بمواقف متباينة، وتراجع الثقة المتبادلة، وتصاعد الضغوط العسكرية والاقتصادية على كلا الجانبين.
تعتمد الرؤية الأمريكية لإنهاء الحرب على معادلة تبدو بسيطة ظاهريًا: تتنازل أوكرانيا عن أجزاء من أراضيها الشرقية، التي شكلت لعقد كامل خط الدفاع الأول ضد روسيا، مقابل حصولها على مظلة أمنية غربية قوية، وفي المقابل، يتيح إنهاء الحرب فتح آفاق اقتصادية واسعة لجميع الأطراف، وفقًا لتقارير صحيفة "وول ستريت جورنال".
وخلال محادثات بوساطة أمريكية في أبوظبي، وُصفت الأجواء بأنها إيجابية وبنّاءة، وأكد المسؤولون الأمريكيون أن الوفدين الروسي والأوكراني أظهرا قدرًا لافتًا من الاحترام المتبادل، غير أن هذه الأجواء لم تنعكس على الأرض، حيث واصلت روسيا استهداف البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا، مسببة انقطاعات متكررة للكهرباء والتدفئة في محاولة لإضعاف صمود المدنيين.
وفي الوقت نفسه، لم يتخل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن أهدافه الأساسية، المتمثلة في إخضاع أوكرانيا وتقليص النفوذ الغربي في شرق أوروبا. ما يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل تقترب أطول حرب تشهدها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية من تسوية سياسية، أم أن عام 2026 سيشهد فصلًا جديدًا من حرب الاستنزاف؟
السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار الحرب بوتيرتها الحالية بالتوازي مع مفاوضات شكلية. تراهن واشنطن على أن تمسك بوتين بشرق أوكرانيا هو ورقة تفاوضية، وأنه قد يقبل بالسلام إذا حصل على ما تبقى من إقليم دونباس، لكن هذا الطرح يواجه رفضًا واسعًا داخل أوكرانيا.
ويقول أندريه زاجورودنيوك، وزير الدفاع الأوكراني السابق: "هناك شكوك كبيرة بين الشعب الأوكراني حيال المحادثات الأمريكية، ليس لعدم رغبتهم في السلام، بل لأن كل تطور عسكري وسياسي في روسيا يشير إلى استمرارها في الحرب".
ويضيف أن منح دونباس لروسيا سيعني مكسبًا مجانيًا لها، يمكنها من إعادة تنظيم صفوفها والانطلاق مجددًا نحو عمق البلاد. ويشدد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على أن أي تنازل إقليمي يجب أن يقترن بضمانات أمنية قوية، تشمل دورًا أمريكيًا مباشرًا، وهو ما ترفضه موسكو.
ويرى دوج لوت، السفير الأمريكي السابق لدى حلف الناتو، أن المشكلة الأساسية تكمن في رفض بوتين النظر في أي شيء يقل عن أهدافه القصوى. ويؤكد ألكسندر جابويف، مدير مركز كارنيجي روسيا أوراسيا، أن كلا الجانبين ما زال لديه موارد بشرية وعسكرية ومالية لمواصلة القتال.
السيناريو الآخر يتضمن خطرًا أكبر على كييف، حيث يمكن أن يؤدي استنزاف القوات الأوكرانية إلى قبول اتفاق صعب يتضمن تنازلات إقليمية وقيودًا على القدرات العسكرية، مقابل ضمانات أمنية أمريكية محدودة.
ويشير الخبراء إلى أن نقص احتياطيات الجيش الأوكراني جعل تعزيز شرق البلاد على حساب السماح بتقدم روسي في الجنوب، بما في ذلك منطقتي دنيبرو وزابوروجيا، ما يحوّل الجيش تدريجيًا إلى ما يشبه "ملاءة سرير قصيرة جدًا"، تكشف نقاط ضعف استراتيجية.
السيناريو الثالث: استنزاف روسيا بالعقوبات
من ناحية أخرى، تواجه روسيا ضغوطًا اقتصادية متزايدة بسبب تباطؤ النمو، وتراجع القطاعات المدنية، وارتفاع أسعار الفائدة، بالإضافة إلى العقوبات الغربية واستهداف منشآت الطاقة. ورغم ذلك، لا توجد مؤشرات قوية على أن بوتين يخشى رد فعل داخلي عاجل.
لكن في حال تشديد العقوبات وارتفاع كلفة الحرب، قد تضطر موسكو إلى إعادة حساباتها، ما قد يفتح الباب أمام مفاوضات أكثر جدية تعتمد على تسوية تمثل "الحد الأدنى المقبول" للطرفين. ويرى المراقبون أن روسيا لا تزال تعتبر استمرار الحرب خيارًا أقل تكلفة من التسوية، ما يجعل خلق كلفة أعلى للصراع ضروريًا لجعل الحل السياسي أكثر قبولًا للطرفين.
القصة كاملة