تحولت جزيرة جرينلاند من رقعة نائية يغطيها الجليد إلى نقطة ساخنة في خريطة التوترات الدولية، بعد أن أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طرح فكرة السيطرة عليها، معتبرًا إياها جزءًا من منظومة الأمن القومي الأمريكي في مواجهة تصاعد النفوذ الروسي والصيني في القطب الشمالي، وفق ما أوردته صحيفة "إندبندنت" البريطانية.
ورغم عزلتها الجغرافية وطبيعة حياتها الهادئة، التي يتوزع سكانها في تجمعات صغيرة وسط الثلوج، فإن الجزيرة التي يقطنها نحو 57 ألف نسمة وجدت نفسها فجأة أمام اختبار الهوية والانتماء، بعدما عبّر سكانها الأصليون من مجتمعات الإنويت عن رفضهم القاطع لأي مساس بسيادتهم أو مستقبلهم السياسي.
ويشكل شعب كالاليت، وهو أكبر مكونات الإنويت في جرينلاند، ما بين 88 و90 بالمئة من سكان الجزيرة، ما يجعلها الإقليم الوحيد في الأمريكتين ذي أغلبية من السكان الأصليين. ويتحدث معظمهم لغة كالاليسوت، وتتركز تجمعاتهم في العاصمة نوك والمناطق الجنوبية الغربية. وتمتزج في حياتهم الممارسات التقليدية مثل صيد الفقمات والحيتان والأسماك باستخدام قوارب الكاياك والزلاجات التي تجرها الكلاب، مع أنماط العمل الحديثة في قطاعات الصيد والسياحة، ويتمتع السكان بخدمات تعليمية وصحية مجانية في إطار الحكم الذاتي الذي أقرته الدنمارك منذ عام 1979.
وأظهرت استطلاعات رأي حديثة رفضًا واسعًا لفكرة السيطرة الأمريكية على الجزيرة. فقد كشف استطلاع أجرته شركة "Verian" في يناير 2025 أن 85 بالمئة من المشاركين يعارضون انضمام جرينلاند إلى الولايات المتحدة، مقابل 6 بالمئة مؤيدين، و9 بالمئة لم يحسموا موقفهم، وهي نتائج تتوافق مع بيانات نشرتها "يوجوف" تشير إلى النسبة نفسها من الرفض، مع تفضيل غالبية السكان الاستقلال عن الدنمارك على الانتقال للسيادة الأمريكية.
وفي موقف سياسي موحد، أصدر قادة الأحزاب في جرينلاند بيانًا مشتركًا أكدوا فيه: "لا نريد أن نكون أمريكيين"، معتبرين مقترحات ترامب ضغطًا غير مقبول وتهديدًا مباشرًا لحقهم في تقرير المصير.
من جانبها، شددت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميت فريدريكسن، على ضرورة التعامل بجدية مع تصريحات ترامب، مؤكدة أن أي محاولة لفرض واقع جديد بالقوة ستقود إلى أزمة داخل حلف شمال الأطلسي، وتهدد منظومة الأمن التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، بينما عززت كوبنهاغن وجودها الدفاعي في منطقة القطب الشمالي.
وكان ترامب قد كثّف منذ مطلع عام 2025 تصريحاته بشأن ضم جرينلاند، مبررًا ذلك بالحاجة إلى مواجهة روسيا والصين في المنطقة القطبية، ولوّح بإمكانية التحرك "سواء أعجبهم ذلك أم لا"، رغم وجود قاعدة أمريكية في الجزيرة بموجب اتفاقية تعود إلى عام 1951، وهو ما أثار مخاوف دولية واسعة ودفع القادة الأوروبيين إلى تنسيق مواقفهم الرافضة لأي تصعيد أو استخدام للقوة.
كما طالب رئيس وزراء جرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، بإنهاء ما وصفه بـ"ضغوط الضم وأوهامه"، في وقت يواصل فيه برلمان جرينلاند مناقشة خيارات الرد السياسي والدبلوماسي، وسط تأكيد من حلف شمال الأطلسي على استمرار الدوريات في القطب الشمالي دون تبنّي النهج الأمريكي المثير للجدل.