بينما يُعِدُّ دونالد ترامب العُدة لمواجهة أصعب اختبار شعبي منذ عودته إلى البيت الأبيض، يتوجه الأمريكيون، اليوم الثلاثاء، إلى صناديق الاقتراع للبت في هوية من سيُمسك بزمام الكونجرس خلال السنتين الأخيرتين من ولايته، إذ تأتي انتخابات التجديد النصفي التي تتنافس فيها الأحزاب على السلطة التشريعية، في ظل غضب شعبي متصاعد من ارتفاع الأسعار وتداعيات الحرب مع إيران، وهو ما يجعل من هذا الاستحقاق الانتخابي لحظة فارقة قد تُعيد رسم خريطة النفوذ في العاصمة الفيدرالية وتُلقي بظلالها على سباق الرئاسة عام 2028.
وفقًا لما رصدته شبكة إي بي سي نيوز، يتنافس المرشحون اليوم على جميع مقاعد مجلس النواب الـ435، وعلى 35 مقعدًا في مجلس الشيوخ المؤلف من مئة مقعد، فضلًا عن منصب الحاكم في 36 ولاية.
وتحتفظ الأغلبية الجمهورية بالغرفتين التشريعيتين معًا، غير أنها أغلبية هشة، إذ يحتاج الديمقراطيون إلى كسب ثلاثة مقاعد صافية فحسب للسيطرة على مجلس النواب، وأربعة مقاعد للفوز بمجلس الشيوخ.
ويُشكّل الفوز بمجلس النواب مهمة أيسر نسبيًا في ضوء التوقعات الراهنة، فيما يبقى مجلس الشيوخ معركة أكثر شُحًا وضيقًا، لا سيما أن نائب الرئيس جي دي فانس يملك حق التصويت الفاصل في حال تعادل المقاعد خمسين لخمسين.
لا يختلف الناخبون كثيرًا في تحديد ما يُقلقهم، وهي تكاليف المعيشة، إذ أشارت شبكة بي بي سي، إلى قفز سعر جالون الديزل من 3.75 دولار قبيل اندلاع الحرب مع إيران في فبراير الماضي، إلى مستوى قياسي بلغ 6.52 دولار في سبتمبر، بينما تسارعت وتيرة التضخم من 3% حين تولى ترامب السلطة إلى 3.7% اليوم.
ويُرجع الاقتصاديون جزءًا من هذا الارتفاع إلى منظومة الرسوم الجمركية العدوانية التي فرضها ترامب على العالم، إضافة إلى تداعيات الحرب التي طالت الوقود والغذاء معًا، وفي هذا الصدد قالت ناخبة من أيوا لمراسل بي بي سي: "لقد أوقعنا في الحرب، والأسعار وصلت عنان السماء"، مُعبِّرةً عما يختلج صدور كثيرين في الولايات الزراعية التي تحتاج الوقود كما تحتاج الهواء.
في مواجهة هذه الصورة الاقتصادية الضاغطة، انطلق ترامب في حملة مكوكية محمومة زار فيها عشرات التجمعات الشعبية في ولايات، كانت تُعَد معاقل جمهورية راسخة كأيوا وكانساس.
وفي خطاب يكرره بلا توقف، ناشد ناخبيه بأن "يتظاهروا بأنه على ورقة الاقتراع"، وفق ما رصدته بي بي سي، غير أن الأرقام تفضح حجم القلق الجمهوري أكثر مما تُخفيه الخطابات، إذ ضخ الحزب مئات الملايين من الدولارات في إعلانات انتخابية بولايات كانت تُكسَب دون عناء، حتى قالت كاري دان من مركز كووك بوليتيكال ريبورت لـ بي بي سي: "حين يُنفقون أموالًا طائلة في ولاية كانساس التي كان يُفترض أنهم يفوزون فيها بيُسر، فهذا وحده يكشف أنهم يشعرون بالخطر".
ويزيد الأمر تعقيدًا أن إعادة رسم الخرائط الانتخابية في عشر ولايات، التي انطلقت حين أعادت تكساس رسم حدودها الانتخابية لصالح الجمهوريين مُفجِّرةً موجة من ردود الفعل، منحت الجمهوريين ما يُعادل خمسة مقاعد إضافية صافية قبل أن يُدلي أحد بصوته، وفق تقديرات كووك بوليتيكال ريبورت التي أوردتها إي بي سي نيوز .
لا يعني السخط من ترامب بالضرورة التحول نحو المعارضة، وهذه هي المعضلة الحقيقية التي تواجه الديمقراطيين، إذ انه بالرغم من أن شعبية الرئيس تراجعت إلى نحو 38% وفق استطلاعات رصدتها شبكة بي بي سي، يكشف استطلاع شبكة إن بي سي نيوز، أن 29% فقط من الأمريكيين ينظرون إلى الحزب الديمقراطي بعين إيجابية، مما يعني أن الإحباط من ترامب لا يُترجَم تلقائيًا إلى دعم لمنافسيه.
وفي أيوا، حيث ارتفعت فواتير الوقود والأسمدة بشكل حاد، يُجسّد تيم ماكينون الناخبَ الجمهوري الذي يشكو ولا يتخلى، إذ قال لـ بي بي سي بصراحة: "دولار إضافي على الغاز لن يُغير ما نؤمن به"، فيما أضافت زوجته ميشيل أنهم أدلوا بأصواتهم لترامب وهم يعرفون تمامًا من يكون، لا انتظارًا لملاك.
في المقابل، يرى المحلل ستيفن هوكينز أن الولايات التي فاز فيها ترامب بفارق 10 إلى 15 نقطة قبل عامين، باتت اليوم ساحات تخوض فيها الأحزاب معارك حامية للفوز بمقاعد مجلس الشيوخ، معتبرًا في تصريحات لشبكة بي بي سي أن هذه الانتخابات تُتيح للديمقراطيين فرصة حقيقية لإثبات قدرتهم على المنافسة في عمق الخريطة الجمهورية.
توضح شبكة بي بي سي أنه إذا أمسك الديمقراطيون بزمام مجلس النواب، فلن يقتصر الأمر على تعطيل مشاريع ترامب التشريعية التي اعتاد تجاوزها بالمراسيم الرئاسية، بل يُتيح ذلك انطلاق موجة من التحقيقات البرلمانية وجلسات الاستماع، وقد يصل الأمر إلى عزل بعض وزرائه، ويأتي وزير الحرب بيت هيجسيث في مقدمة المرشحين لهذا المصير بسبب إدارته للحرب مع إيران.
أما الفوز بمجلس الشيوخ فيظل رهانًا أشد وطأة وأكثر احتمالًا للمفاجآت، في سباقات متقاربة للغاية بولايات كميشيجان وتكساس وأوهايو وأيوا وميسن وألاسكا وكارولينا الشمالية، وهي الساحات التي ستُحدد في نهاية المطاف من يكسب هذه الليلة الطويلة.
تتجاوز هذه الانتخابات مجرد التنافس على مقاعد الكونجرس، فهي في جوهرها اختبار لمسار السياسة الأمريكية حتى نهاية عهد ترامب وما بعده، إذ يراقب الديمقراطيون بعين فاحصة أداء وجوههم الصاعدة، كـجون أوسوف في ولاية جورجيا وجيمس تالاريكو في ولاية تكساس، بحثًا عن قيادات قادرة على حمل لواء المعركة الرئاسية عام 2028.
أما الإستراتيجية الديمقراطية ماري آن مارش، فتُحذر، في تصريح لشبكة بي بي سي، من أن كل جمهوري آثر الصمت على مواجهة ترامب سيواجه اليوم تبعات صمته.
وعلى الجانب الآخر، لا يزال شبح التشكيك في النتائج يُخيم على المشهد، إذ سبق لترامب أن طعن في نزاهة الانتخابات، ولا شيء يُجزم بأنه لن يُعيد الكرة إن جاءت الأرقام عكس ما يريد.