بث تجريبي

السبت الأسود يهدد فرنسا.. استنفار أمني واحتجاجات واسعة لمواجهة احتجاجات «السترات الصفراء»

تشهد فرنسا السبت ثالث عطلة احتجاجية متتالية، وسط دعوات من "السترات الصفراء" ومنظمات طلابية ونقابية للتظاهر ضد غلاء المعيشة، وتراجع الخدمات العامة، وأوضاع التعليم، وما تصفه قوى شبابية بتشدد أمني يقيد الحق في الاحتجاج. 

وتكتسب هذه الجولة حساسية إضافية لأنها تتزامن مع ليلة الهالوين، التي تخشى السلطات أن توفر غطاءً لتجمعات ليلية غير منظمة وأعمال تخريب، لذلك اتخذت السلطات مجموعة قرارات تشمل المنع الجزئي وتغيير المسارات وحظر التجمعات الليلية وحظر التجول في عدد من المدن.

إعادة مسار النقابات وحظر "السترات الصفراء"

أصدرت شرطة باريس الجمعة قرارًا بمنع المسارين اللذين أودعتهما "سي جي تي"إحدى أكبر وأهم النقابات العمالية في فرنسا، و"السترات الصفراء" في وسط العاصمة.

لكن التطور الحاسم جاء مساء الجمعة، حين علّق قاضي الأمور المستعجلة في المحكمة الإدارية بباريس قرار المحافظة الخاص بمسار النقابات، فأعاد فتح طريق باستيل-ناسيون الذي ينطلق في الثانية ظهرًا. 

أما مسار "السترات الصفراء" من باستيل إلى الكونكورد مرورًا بريبليك وأوبرا، فظل محظورًا. وكان البديل الذي فرضته المحافظة على النقابات يربط بورت دو باغنولي بـبورت دو شارنتون.
وتكشف عودة مسار باستيل-ناسيون بعد ساعات من منعه أن المعركة انتقلت من الشارع إلى القضاء. 

وكانت النقابات، ومنها "سي جي تي" و"فو"و"إف إس يو" و"سوليدير"، قد لجأت إلى القضاء على وجه السرعة حتى لا يتكرر سيناريو 24 أكتوبر، حين صدر قرار المنع متأخرًا بما جعل الطعن شبه مستحيل. 

أما توجيه الرئيس إيمانويل ماكرون بإبعاد المسيرات عن مراكز المدن، فما زال المرجعية السياسية التي تستند إليها المحافظات.

وفيما بررت الشرطة القرار بـ"السياق الاجتماعي المتوتر للغاية" وبضرورة منع التجاوزات وحماية النظام العام، يرى المنظمون أن نقل الاحتجاج بعيدًا عن المراكز السياسية والاقتصادية يحوله إلى حق شكلي بلا تأثير عام، ويزيد احتمال ظهور مسيرات عفوية لا تخضع لتنسيق النقابات.

الحظر ينتشر خارج العاصمة

لا تقتصر القيود على باريس، فقد أعلنت محافظة "إيل ايه فيلان" حظر مسيرة رين بعد فشلها في التوصل إلى اتفاق مع النقابات حول مسار خارج وسط المدينة. 
وفي ليون، حُظر مؤقتًا أي تجمع أو مسيرة احتجاجية في المركز بين العاشرة صباحًا والحادية عشرة مساءً، مع إبقاء المسار النقابي خارج المنطقة المحظورة.

وفي غرونوبل، شمل المنع مناطق من وسط المدينة ومراكز تجارية رئيسية، ورافقه حظر تجول ليلي. 

كما أُغلقت مناطق في كاركاسون وناربون أمام التجمعات الاحتجاجية، فيما اتخذت بوردو صيغة مختلفة، فسمحت المحافظة بمسيرة النقابات بعد حصولها على ضمانات بشأن التنظيم الداخلي، لكنها حذرت من "أعمال عنيفة وربما عنيفة جدًا" في نهاية اليوم.

وفي بوش دو رون، سمحت السلطات فقط بالتجمعات التي أُعلن عنها مسبقًا، وحظرت التجمعات غير المصرح بها في مراكز مرسيليا ومدن أخرى. كما جُدد حظر تجول القُصّر غير المصحوبين في مرسيليا وعدد من البلديات.

وتكشف هذه القرارات أن السلطات لا تتعامل مع الحركة كمسيرة وطنية واحدة، بل تقسمها إلى خرائط محلية للمخاطر، تختلف فيها مساحة المسموح والممنوع من مدينة إلى أخرى.

70 ألف شرطي ودركي

أعلن وزير الداخلية لوران نونيز تعبئة نحو 70 ألف شرطي ودركي، وهو العدد نفسه الذي استخدم في 24 أكتوبر. 

وتشارك وحدات "رايد" و"بري" و"جي إي جي إن"، إلى جانب الطائرات المسيّرة والمروحيات و26 عربة مدرعة من طراز "سانتور". كما أُلغيت فترات الراحة وعُلقت الإجازات في مناطق عدة لرفع الجاهزية.

وتستخدم السلطات هذا الانتشار على مرحلتين: تأمين المسيرات المعلنة خلال النهار، ثم مراقبة التجمعات الليلية غير المصرح بها. 

وقالت مصادر وزارة الداخلية لـ"ويست فرانس" إن نحو 150 تجمعًا، معظمها معلن، كان متوقعًا، بينما تخشى الحكومة من مسيرات عفوية ومحاولات للوصول إلى مراكز المدن بعد حلول الظلام.

وحذر نونيز من "خطر بالغ جدًا لاضطرابات النظام العام"، متحدثًا عن دعوات على شبكات التواصل إلى تجمعات ليلية تحت غطاء الهالوين، وعن رسائل تدعو إلى "إفشال" الاحتجاجات أو دفعها نحو العنف.

لكن "لوموند" أشارت إلى أن غالبية المنشورات تحمل طابعًا ساخرًا أو احتفاليًا، وأن عددًا محدودًا فقط يتضمن دعوات واضحة إلى النهب أو التخريب.

حل أمني لمشكلة سياسية

يرى المؤرخ فنسنت دينيس، في تحليل نشرته "فرانس إنفو"، أن التوسع في التوقيفات يدفع قوات الأمن إلى الاحتكاك المباشر ويصعب الحفاظ على المسافة الضرورية مع المتظاهرين.  

وتقول عالمة الاجتماع آن فيليمور، من جامعة باريس-ساكلاي، إن النهج الفرنسي يركز على "سيناريو الأسوأ"، بينما تحتاج الدولة إلى نموذج يراهن على التهدئة والتعاون مع المنظمين.

أما الجنرال برتران كافالييه، القائد السابق لمركز تدريب قوات الدرك، فيقبل باستخدام الطوق الأمني لعزل العناصر العنيفة لفترة قصيرة، لكنه يشترط توفير مخارج سريعة للمتظاهرين السلميين. ويحذر من أن إبقاء المدنيين داخل الطوق طويلًا يخلق احتكاكًا يتعارض مع الهدف الأمني.

وتزداد حساسية هذه الانتقادات مع إعلان وزارة العدل توجيه النيابة إلى اعتماد "استجابة جنائية حازمة وسريعة"، تشمل إمكان فرض منع من التظاهر أو قيود على استخدام الشبكات الاجتماعية بعد الإدانة.

كما أعلن وزير الداخلية أن 83 تحقيقًا أُحيلت إلى هيئتي التفتيش العام للشرطة والدرك بشأن أحداث سابقة، في مؤشر على أن الأزمة الأمنية تحولت أيضًا إلى أزمة ثقة ومساءلة.

قد يهمك