أطلقت الحكومة اللبنانية، اليوم الجمعة، مسار التشاور حول «الخطة الوطنية لحوكمة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان»، التي تستهدف إعادة تنظيم أوضاع المخيمات من خلال ثلاثة محاور رئيسية تشمل السيادة والأمن والقانون، والحقوق والخدمات والتنمية الإنسانية، والإدارة والحوكمة المؤسساتية، على أن يجري تنفيذها تدريجيًا بدءًا من نماذج مصغرة في بعض المخيمات وصولًا إلى الحوكمة الكاملة.
وتتضمن الخطة تسليم السلاح إلى الجيش اللبناني وإنهاء المظاهر المسلحة تدريجيًا، وإنشاء مخافر لقوى الأمن الداخلي داخل المخيمات وفق مفهوم الشرطة المجتمعية، إلى جانب بسط سلطة القضاء وتسليم المطلوبين، بالتوازي مع معالجة الملفات المتعلقة بالحقوق الإنسانية والخدمات والأوراق الثبوتية، وإجراء مسوحات اجتماعية وعمرانية، وإنشاء هيئة متخصصة لإدارة المخيمات.
وجرى إطلاق مسار التشاور في السراي الحكومي بالعاصمة بيروت، برعاية رئيس مجلس الوزراء نواف سلام وحضوره، وبمشاركة لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني برئاسة السفير رامز دمشقية، وممثلين عن الجانب الفلسطيني ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، إلى جانب ممثلين عن سفارتي النرويج وسويسرا وعدد من الجهات اللبنانية والدولية.
الحقوق الفلسطينية وتسليم السلاح.. مساران متوازيان
وفي كلمته خلال إطلاق المشاورات، قال رئيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، السفير رامز دمشقية، إن الخطة تستهدف معالجة واقع تراكم على مدى عقود، بعدما نشأت المخيمات على أساس أن اللجوء مؤقت والعودة قريبة، قبل أن تتعاقب الأجيال وتتزايد الاحتياجات الاجتماعية والعمرانية والاقتصادية.
وأوضح أن المسؤوليات توزعت خلال السنوات الماضية بين مؤسسات الدولة والجهات الفلسطينية والمانحين، فيما غلبت المعالجات الإنسانية والمرحلية عند الأزمات، وظلت جوانب أساسية من الإدارة وتطبيق القانون تفتقر إلى التنظيم المؤسساتي، الأمر الذي انعكس على سكان المخيمات والتجمعات الفلسطينية والمجتمعات اللبنانية المحيطة بها.
وأشار دمشقية إلى أن جذور الخطة تعود إلى مسار بدأ عام 2015، وأثمر عام 2017 «الرؤية اللبنانية الموحدة لقضايا اللجوء الفلسطيني في لبنان»، التي تضمنت تفاهمات بشأن السيادة ورفض التوطين وحق العودة وحقوق اللاجئين والسلاح وإدارة المخيمات.
وأضاف أن ترجمة هذه التفاهمات إلى قوانين وسياسات وإجراءات ظلت محدودة، موضحًا أن الخطة الجديدة تستهدف الانتقال من المبادئ العامة إلى تحديد المسؤوليات والصلاحيات وآليات التنسيق والمساءلة، مع مراعاة اختلاف أوضاع المخيمات واحتياجاتها.
وأكد أن المخيمات تقع ضمن السيادة اللبنانية، وأن مسؤولية حفظ الأمن وتطبيق القانون تعود إلى مؤسسات الدولة، مشددًا على أن حوكمة المخيمات لا تقتصر على الجانب الأمني، وإنما تشمل الإدارة والقضاء والخدمات والحقوق.
وقال دمشقية: «إن الحقوق ليست ثمنًا لتسليم السلاح، كما أن حصرية السلاح ليست موضع مقايضة»، كاشفًا أن اللجنة تعمل بالتوازي على إعداد مشروع قانون شامل لتنظيم الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين، بما يشمل العمل والضمان الاجتماعي وسائر الحقوق والواجبات التي تحتاج إلى تشريع.
وشدد على أن الخلط بين الحقوق الفلسطينية والتوطين أعاق معالجة هذه الملفات لسنوات طويلة، مؤكدًا أن رفض التوطين يمثل موقفًا دستوريًا ووطنيًا لبنانيًا، ويتوافق مع تمسك الفلسطينيين بحق العودة وهويتهم الوطنية.
وأضاف أن حرمان الفلسطينيين من حقوقهم لا يحمي لبنان من التوطين، كما أن منحهم هذه الحقوق لا يؤدي إليه، مشيرًا إلى أن التمسك بحق العودة لا يعني إبقاء حياة اللاجئين معلقة إلى حين تحقيقه.
نواف سلام: المخيمات تخضع لسيادة الدولة والقانون اللبناني
من جانبه، وضع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام الخطة في إطار الجهود الرامية إلى إعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها، مستندًا إلى اتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري ومبدأ حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة.
وأشار سلام إلى القمة التي جمعت الرئيس اللبناني جوزاف عون والرئيس الفلسطيني محمود عباس في بيروت خلال مايو 2025، وما تضمنته من تأكيد احترام السيادة اللبنانية وحصرية السلاح، بالتوازي مع تحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين.
وأوضح أن مجلس الوزراء كلف الجيش، في الخامس من أغسطس 2025، إعداد خطة تطبيقية لحصر السلاح بيد الدولة، مشيرًا إلى بدء خطوات لمعالجة ملف السلاح الفلسطيني بالتعاون مع القيادة الفلسطينية.
وأكد أن المخيمات الفلسطينية تقع ضمن السيادة اللبنانية وتخضع للقانون، وأن المطلوب هو جعل حضور مؤسسات الدولة داخلها واضحًا ومنتظمًا.
وفي المقابل، شدد سلام على تمسك لبنان بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لما تبقى من أراضيه ووقف الاعتداءات، وتأمين عودة السكان إلى قراهم وبلداتهم وإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
واعتبر أن معالجة أوضاع المخيمات تتطلب مقاربة شاملة لا تقتصر على الجوانب الأمنية، بل تمتد إلى سيادة القانون وانتظام عمل المؤسسات وتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية والخدماتية.
وأشار إلى أن تنظيم أوضاع المخيمات وتحسين الظروف المعيشية لسكانها يصبان في المصلحة اللبنانية أيضًا، موضحًا أن تراجع الخدمات وتدهور الأوضاع الأمنية والاجتماعية ينعكسان على البلدات والمدن المجاورة، ويزيدان الأعباء على مؤسسات الدولة والبلديات.
أونروا: الخطة خطوة تاريخية طال انتظارها
وفي السياق ذاته، رحبت مديرة شؤون وكالة «أونروا» في لبنان، دوروثي كلاوس، بإطلاق الخطة، ووصفتها بأنها «خطوة تاريخية طال انتظارها».
وقالت إن المخيمات الفلسطينية الاثني عشر في لبنان تضم نحو 230 ألف لاجئ فلسطيني، يمثلون قرابة نصف عدد اللاجئين في البلاد، وينتمون إلى أربعة أجيال تعاقبت على مدى ثمانية عقود.
وأوضحت أن المخيمات تحولت إلى أحياء حضرية مكتظة ومعقدة، يقطنها أيضًا لبنانيون وسوريون، ولها اقتصادها الخاص، مشيرة إلى أن أبرز التحديات المتراكمة تشمل الوضع الأمني وانتشار السلاح وضعف إنفاذ القانون وصعوبة الوصول إلى العدالة، إلى جانب ضعف إدارة المخيمات وتردي الخدمات الأساسية واستمرار منع اللاجئين الفلسطينيين من مزاولة مهن محددة وتملك العقارات.
وأضافت أن الخطة تستهدف الانتقال من الوضع غير الرسمي القائم إلى حوكمة رسمية تحت سيادة الدولة اللبنانية، بما يسهم في تحسين الأمن وتعزيز سيادة القانون وتوسيع فرص العمل، معتبرة أن ذلك يصب في مصلحة الفلسطينيين واللبنانيين معًا.
وأشارت كلاوس إلى أن «أونروا» تعمل في لبنان منذ عام 1954، واضطرت خلال العقود الماضية إلى تولي مهام تجاوزت تفويضها الأصلي نتيجة غياب الحوكمة الرسمية داخل المخيمات.
وأكدت ترحيب الوكالة بالعودة إلى التركيز على مهامها الأساسية في مجالات التعليم والصحة والإغاثة، إلى جانب دعم مسار الحوكمة الجديد.