بث تجريبي

إيطاليا تمهد للعودة إلى الطاقة النووية بمفاعلات صغيرة بحلول 2035

تقترب إيطاليا من اتخاذ خطوة تاريخية نحو إعادة الطاقة النووية إلى مزيجها، بعد أكثر من ثلاثة عقود على إغلاق آخر مفاعلاتها، في ظل تصاعد الضغوط المرتبطة بأمن الطاقة وارتفاع تكاليف الكهرباء في أوروبا.

وكشفت صحيفة «بوليتيكو» أن مشروع قانون يمهد لعودة إيطاليا إلى الطاقة النووية يقترب من الحصول على موافقة مجلس الشيوخ، في وقت تسعى فيه روما إلى تقليل اعتمادها على إمدادات الطاقة الأجنبية، ومواجهة الزيادة المتوقعة في الطلب على الكهرباء خلال السنوات المقبلة.

من رفض النووي إلى اعتباره قضية أمن قومي

أغلقت إيطاليا آخر مفاعلاتها النووية عام 1990، بعد الاستفتاء الذي أُجري عام 1987، في أعقاب كارثة تشيرنوبيل التي أثارت مخاوف واسعة بشأن سلامة الطاقة النووية.

لكن موقف روما من الطاقة النووية تغير بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا مع تداعيات الحرب في أوكرانيا والتوترات المتزايدة في منطقة الخليج.

وقال وزير الطاقة الإيطالي جيلبيرتو بيكيتو فراتين، في مقابلة مع «بوليتيكو»، إن الأزمات الأخيرة كشفت عن «اعتماد مفرط» على مصادر الطاقة الأجنبية، معتبرًا أن الطاقة النووية باتت مرتبطة بصورة مباشرة بـ«الأمن القومي» الإيطالي.

وتأتي هذه الخطوة في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة، إذ تواجه الشركات والمصانع الإيطالية تكاليف مرتفعة للكهرباء مقارنة بعدد من الدول الأوروبية، بالتزامن مع توقعات بارتفاع الطلب على الطاقة خلال العقد المقبل وما بعده.

ويُرجع المسؤولون جزءًا من هذه الزيادة المتوقعة إلى التوسع في استخدام السيارات والنقل الكهربائي، وزيادة الاعتماد على الكهرباء في القطاعات الصناعية، إلى جانب التوسع الكبير في مراكز البيانات المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

المفاعلات المعيارية الصغيرة في صدارة الخطة

تعتمد الخطة الإيطالية بصورة أساسية على «المفاعلات المعيارية الصغيرة» المعروفة اختصارًا بـSMRs، وهي تقنية تحظى باهتمام متزايد في أوروبا باعتبارها خيارًا يمكن أن يتيح بناء منشآت نووية أصغر وأكثر مرونة مقارنة بالمفاعلات التقليدية.

وتنسجم الخطوة الإيطالية مع توجه أوروبي أوسع لدعم هذه التقنية، بعدما دعت المفوضية الأوروبية في استراتيجيتها الصادرة خلال مارس الماضي إلى تسريع تطوير ونشر المفاعلات المعيارية الصغيرة في القارة.

ويرى وزير الطاقة الإيطالي أن الوصول إلى مرحلة الإنتاج التسلسلي لهذه المفاعلات بحلول نهاية العقد الحالي يمكن أن يقلص مدة تنفيذ المشروعات إلى نحو ثلاث أو أربع سنوات، بما يسمح ببدء إنتاج الكهرباء من المحطات الجديدة بين عامي 2034 و2035.

لكن مشروع القانون المطروح حاليًا لا يعني البدء الفوري في بناء المفاعلات، إذ يركز في مرحلته الأولى على إنشاء الإطار القانوني والتنظيمي اللازم للعودة إلى النشاط النووي.

وتشمل الخطة إنشاء هيئة مستقلة للسلامة النووية، ووضع قواعد للتعامل مع النفايات المشعة، إلى جانب الإعداد لإنشاء مستودع وطني لتخزينها.

ومن المتوقع أن تصدر الحكومة الإيطالية مراسيم تنفيذية بنهاية العام الجاري، تتضمن تقييم التكاليف، وتحديد المواقع المحتملة لإنشاء المنشآت النووية، ودراسة الشركات التي يمكن أن تتولى تشغيلها.

ويفضل وزير الطاقة أن تتولى شركات خاصة تشغيل المنشآت، مع وجود رقابة حكومية صارمة على القطاع.

تحرك مبكر من شركات الطاقة والصناعة

وبالتوازي مع التحركات الحكومية، بدأت شركات إيطالية كبرى في دراسة فرص الاستثمار في قطاع الطاقة النووية الجديدة.

وأسست شركة الطاقة «إيني»، وشركة «أنسالدو إنرجيا» المتخصصة في المعدات، ومجموعة «ليوناردو» العاملة في قطاع الدفاع، مشروعًا مشتركًا يحمل اسم «نوكليتاليا»، بهدف دراسة تقنيات الطاقة النووية المتقدمة وتقييم فرص استخدامها في إيطاليا.

وفي يونيو الماضي، انضمت شركة الطاقة الفرنسية «EDF» إلى هذا المسار، من خلال توقيع إعلان نوايا مع شركاء صناعيين إيطاليين يستهدف تشغيل أولى محطات المفاعلات المعيارية الصغيرة في إيطاليا بحلول عام 2035.

ويرى فراتين أن هناك أيضًا تغيرًا في موقف جزء من الرأي العام الإيطالي، خصوصًا بين الشباب، الذين يقول إنهم أصبحوا «أقل عقائدية وأكثر براجماتية» في التعامل مع قضية الطاقة النووية.

ويعتقد الوزير أن هذا الجيل قد يكون أكثر استعدادًا للنظر إلى الطاقة النووية باعتبارها مصدرًا آمنًا للطاقة يمكن أن يسهم في خفض الانبعاثات وتحقيق أهداف إزالة الكربون.

معارضة سياسية ومخاوف شعبية

رغم ذلك، تواجه عودة إيطاليا إلى الطاقة النووية معارضة سياسية وشعبية، إذ يحذر منتقدو المشروع من أن التركيز على المفاعلات الجديدة قد يأتي على حساب الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة.

وقال أنجيلو بونيلي، من حزب الخضر، إن الحكومة تخدم مصالح شركات الطاقة والقطاعات الملوثة بدلًا من تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة، مستشهدًا بالأعطال التي شهدتها بعض المفاعلات النووية في فرنسا ورومانيا خلال موجات الحر الأخيرة.

كما لا يزال الموقف الشعبي من إقامة منشآت نووية داخل المدن والمناطق السكنية يمثل تحديًا أمام الحكومة.

وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة «ديموبوليس» في يونيو الماضي تقدم المؤيدين للطاقة النووية بفارق ضئيل، إلا أن نحو ستة من كل عشرة إيطاليين قالوا إنهم لا يريدون إقامة منشأة نووية بالقرب من مدينتهم.

وتزداد صعوبة تنفيذ المشروع مع اقتراب الانتخابات المقررة العام المقبل، والتي قد تسفر عن تشكيل حكومة جديدة تتخذ موقفًا مختلفًا من خطة إعادة تشغيل القطاع النووي.

مشروع طويل الأمد أمام اختبار السياسة

ورغم هذه التحديات، يدافع وزير الطاقة الإيطالي عن المسار الذي تتبناه الحكومة، مؤكدًا أن استمرارية المشروع ستبقى في النهاية رهينة بإرادة الناخبين.

وقال فراتين إن إيطاليا دولة ديمقراطية، وإذا اختار الإيطاليون التراجع عن المشروع، فإن ذلك سيكون قرارًا ديمقراطيًا، حتى لو اعتبره شخصيًا خيارًا مؤسفًا بالنسبة إلى مسار تحديث قطاع الطاقة.

من جانبه، يرى البروفيسور جيانفرانكو كاروزو، أستاذ الهندسة النووية في جامعة سابينزا في روما، أن الجدول الزمني الذي وضعته الحكومة لإنتاج الكهرباء من المفاعلات المعيارية الصغيرة بين عامي 2034 و2035 يبدو واقعيًا.

ويؤكد كاروزو أن الطاقة النووية يجب ألا تكون بديلًا للطاقة المتجددة، وإنما مصدرًا مكملًا لها، معتبرًا أن الجمع بين النوعين من الطاقة يمكن أن يساعد إيطاليا على خفض تكاليف الكهرباء وتقريب أسعارها من المستويات المسجلة في إسبانيا، التي تقل بنحو 40%، وفق تقديراته.

كما يرى أن المخاوف من الطاقة النووية في إيطاليا تأثرت لسنوات بالمعلومات المضللة، مشددًا على اختلاف معايير السلامة الحديثة عن تلك التي كانت قائمة وقت كارثة تشيرنوبيل.

وبينما تستعد روما لوضع الإطار القانوني والتنظيمي للعودة إلى الطاقة النووية، يبقى نجاح المشروع مرهونًا بقدرة الحكومة على تجاوز الاعتراضات السياسية والشعبية، وتوفير ضمانات تتعلق بالسلامة والتكلفة وإدارة النفايات، فضلًا عن استمرار التوافق السياسي بعد الانتخابات المقبلة.

قد يهمك