بعد نحو ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر، تراجعت «الحرب على الإرهاب» بوصفها أولوية استراتيجية رئيسية للولايات المتحدة، بعدما أعادت تشكيل سياستها الخارجية وعقيدتها الأمنية على مدى عقدين، قبل أن تتراجع أمام صعود التنافس مع القوى الكبرى والأزمات الإقليمية والملف النووي.
وبحسب تحليل نشرته مجلة «فورين بوليسي»، لم تكن الحرب على الإرهاب مجرد سلسلة من العمليات العسكرية، بل مشروعًا استراتيجيًا واسعًا ارتكز على ثلاثة توجهات رئيسية، تمثلت في التعامل مع الإرهاب باعتباره حربًا تتطلب استجابة عسكرية شاملة، وربط مكافحة التطرف بإصلاح الأنظمة السياسية ونشر الديمقراطية، إلى جانب التركيز على الجهادية العالمية باعتبارها التهديد الأيديولوجي والأمني الأبرز.
من تغيير الأنظمة إلى مكافحة الإرهاب المحددة
مرت الاستراتيجية الأمريكية خلال هذه الحقبة بثلاث مراحل رئيسية. بدأت الأولى، بين عامي 2001 و2006، في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، واتسمت بسياسة أكثر راديكالية سعت إلى تغيير الأنظمة في أفغانستان والعراق، انطلاقًا من اعتقاد بأن غياب الديمقراطية والاضطرابات السياسية يمثلان بيئة خصبة للتطرف.
إلا أن النتائج جاءت على خلاف الطموحات الأمريكية، إذ تحول العراق إلى ساحة صراع طائفي وحرب أهلية، بينما عادت حركة طالبان إلى النشاط في أفغانستان، كما ساهمت تداعيات الحروب والتدخلات في خلق بيئات مواتية لتنامي الجماعات المتطرفة.
ومع تراجع الرهان على إعادة تشكيل المنطقة، انتقلت واشنطن إلى مرحلة جديدة بين عامي 2007 و2018، ركزت خلالها على احتواء الإرهاب وتقليص تكاليف الانتشار العسكري. وفي عهد باراك أوباما، توسع الاعتماد على القوات الخاصة والطائرات المسيرة وأجهزة الاستخبارات لتنفيذ عمليات محددة ضد قيادات التنظيمات، بالتوازي مع خفض حجم القوات البرية المنتشرة في مناطق الصراع.
لكن صعود تنظيم داعش عام 2014 أعاد الإرهاب إلى مقدمة الأولويات الأمريكية، بعدما تمكن التنظيم من السيطرة على مساحات واسعة في العراق وسوريا، ونفذ أو ألهم هجمات خارج المنطقة، ما دفع واشنطن إلى تكثيف عملياتها بالاعتماد على القوات المحلية والشركاء الإقليميين.
ترامب وبايدن.. نحو إنهاء الحروب الطويلة
دخلت الاستراتيجية الأمريكية مرحلة الانسحاب بصورة أوضح خلال عهد دونالد ترامب، الذي انتقد حروب التمرد وبناء الدول، وركز على العمليات العسكرية المباشرة والشراكات مع قوى محلية وإقليمية لمواجهة التنظيمات المسلحة.
وكان اتفاق الدوحة الذي وقعته واشنطن مع طالبان عام 2020 نقطة تحول رئيسية، بعدما نص على انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان خلال 14 شهرًا، مقابل تعهدات من الحركة بقطع العلاقات مع تنظيم القاعدة والحد من الأعمال القتالية.
ومضى الرئيس جو بايدن في استكمال الانسحاب، لتنتهي في عام 2021 أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة، بالتزامن مع انهيار الحكومة الأفغانية وعودة طالبان إلى السلطة.
ورغم أن الانسحاب من أفغانستان لم ينهِ عمليات مكافحة الإرهاب الأمريكية، فإنه عكس تحولًا أوسع في أولويات واشنطن، التي باتت تركز بصورة أكبر على التنافس مع الصين وروسيا، والحد من الانتشار النووي، وإدارة الأزمات الإقليمية.
إرث ممتد وعادات سياسية تحتاج إلى المراجعة
لا يعني انتهاء «الحرب على الإرهاب» اختفاء التهديدات الإرهابية، إذ لا تزال الولايات المتحدة تلاحق تنظيم القاعدة وتنظيم داعش-خراسان، وتقدم التدريب والدعم لشركاء محليين في عدد من المناطق.
لكن الإرهاب لم يعد يحتل قمة الهرم الاستراتيجي الأمريكي، وأصبح ملفًا أمنيًا يُدار عبر مزيج من الأدوات العسكرية والاستخباراتية والقانونية، دون أن يكون مبررًا لتغيير الأنظمة أو بناء الدول أو إعادة تشكيل الانتشار العسكري الأمريكي عالميًا.
وترى «فورين بوليسي» أن أحد أبرز الدروس التي خلفتها هذه الحقبة يتمثل في ضرورة تجنب تقديم تنازلات واسعة لدول تعاونت مع واشنطن في مكافحة الإرهاب، عندما تتعارض سياساتها لاحقًا مع المصالح الأمريكية.
كما برزت عادة أخرى تمثلت في توسيع مفهوم العدو ضمن الحرب على الإرهاب ليشمل جماعات مسلحة لا تمثل بالضرورة تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة، وهو ما ساهم في توسيع نطاق المواجهة الأمريكية.
وبذلك، تبدو «الحرب على الإرهاب» اليوم أقرب إلى حقبة استراتيجية انتهت منها الأولوية الكبرى، لكن إرثها ما زال حاضرًا في المؤسسات الأمنية والعسكرية وفي طريقة تفكير صناع القرار الأمريكيين.
ويتمثل التحدي أمام واشنطن في استخلاص دروس عقدين من الحروب والتدخلات، والتعامل مع الإرهاب باعتباره تهديدًا أمنيًا مستمرًا، لكن غير وجودي، بحيث لا يسمح له مجددًا بابتلاع الاستراتيجية الأمريكية الأوسع أو استنزاف مواردها في حروب طويلة الأمد.
القصة كاملة