تتجه أنظار ألمانيا هذا الأحد، أيلول، إلى ولاية ساكسونيا-أنهالت، حيث يقف "البديل من أجل ألمانيا" على عتبة إنجاز تاريخي عبر الفوز بحكم ولاية ألمانية للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وتمنح استطلاعات الرأي الحزب أكثر من 40%، متقدماً بفارق كبير على حزب المستشار فريدريش ميرتس، فيما قد يصبح مرشحه أول سياسي من اليمين المتطرف يتولّى رئاسة حكومة ولاية ألمانية في حقبة ما بعد النازية.
لكن أهمية الانتخابات لا تكمن فقط في احتمال فوز "البديل"، بل في السؤال الأعمق الذي تطرحه وهو: كيف تحوّل شرق ألمانيا، الذي كان لعقود أحد المعاقل الانتخابية للأحزاب التقليدية، إلى المختبر الأكثر نجاحاً لليمين المتطرف؟ ولماذا عجزت قيادات، مثل: أنغيلا ميركل، وميرتس، عن وقف هذا التحول؟
يرى خبراء أنه من الخطأ اختزال صعود "البديل" في أزمة الهجرة، أو في أداء الحكومة الحالية، فالفجوة بين شرق ألمانيا وغربها تعود إلى تجربة الوحدة الألمانية نفسها.
بعد إعادة توحيد ألمانيا العام 1990، حقق الشرق تقدماً اقتصادياً واجتماعياً كبيراً، لكنه لم يحقق مساواة كاملة مع الغرب، ولا تزال مناطق واسعة تعاني من ضعف سكاني، وهجرة الشباب، ونقص العمالة، ومستويات دخل أقل، وإحساس بأن القرارات الكبرى تُصنع في برلين أو في غرب البلاد دون الإصغاء الكافي للشرق.
ويرى خبراء أن هذه المشكلات "أصبحت وقوداً سياسياً لأفكار الاحتجاج"، إذ نجح "البديل" في تحويل الإحساس بالتهميش الاقتصادي إلى شعور بالتهميش السياسي والثقافي، واستثمار ذلك في دعايته الانتخابية.
مفارقة ميركل أنها كانت نفسها ابنة ألمانيا الشرقية، لكنها لم تستطع تحويل هذه الصلة إلى جسر سياسي دائم مع الشرق.
خلال سنوات حكمها، تبنّى الحزب الديمقراطي المسيحي بقيادتها موقعاً وسطياً واسعاً، ما مكّنها من جذب ناخبين من اليسار والوسط، لكنه ترك مساحة متزايدة إلى يمين الحزب. ثم جاءت أزمة اللاجئين، العام 2015، لتصبح نقطة التحول الأكبر.
استقبال أكثر من مليون طالب لجوء جعل الهجرة قضية سياسية مركزية، وساعد "البديل" على تقديم نفسه باعتباره القوة التي تقول ما لا تريد الأحزاب التقليدية قوله.
وتشير أبحاث أكاديمية إلى أن قرار ميركل، العام 2015، كان له أثر مهم في تشكيل النقاش حول سياسة الهجرة، وجاذبية ألمانيا للمهاجرين.
لكن المشكلة أعمق من "سياسة ميركل تجاه اللاجئين"، فأزمة 2015 منحت "البديل" إطاراً سياسياً جاهزاً لربط الهجرة بالأمن والهوية والسيادة، ثم توسعت من هذا الملف إلى نقد النظام السياسي كله.
ووصول فريدريش ميرتس إلى المستشارية لم ينهِ المشكلة، بل كشف مأزقاً جديداً للمحافظين الألمان.
ميرتس حاول جعل الديمقراطي المسيحي أكثر تشدداً في الهجرة والأمن، لاستعادة الناخبين الذين انتقلوا إلى "البديل"، لكن الإستراتيجية تحمل مفارقة خطيرة: عندما تتبنى الأحزاب التقليدية بعض أجندة اليمين المتطرف، فإنها قد تؤكد للناخب أن اليمين المتطرف كان محقاً في تشخيص المشكلة، دون أن تستعيد بالضرورة ناخبيه.
والأكثر حساسية وقع، في يناير/كانون الثاني 2025، عندما مرر ميرتس، وهو زعيم المعارضة آنذاك، مقترحاً في البرلمان بدعم أصوات البديل، في خطوة اعتُبرت خرقاً رمزياً لـ"الجدار الناري" الذي يفترض أن يمنع التعاون مع الحزب.
وأظهرت دراسة للمركز العلمي الاجتماعي في برلين WZB أن "الجدار الناري" لم ينهَر بالكامل محلياً، لكنه بدأ يتعرض لضغوط، خاصة في المناطق الريفية الشرقية.
وهنا تكمن إحدى أكبر مفارقات ميرتس: أراد إضعاف "البديل" عبر تبنّي خطاب أكثر صرامة تجاه الهجرة، لكنه ساعد، ولو بصورة غير مباشرة، في جعل التعاون معه أقل صدمة سياسياً.
حتى لو تصدّر "البديل" الانتخابات، فإن حصوله على السلطة ليس مضموناً تلقائياً، فالأحزاب الأخرى ترفض، رسمياً، التحالف معه، وقد يُضطر "الديمقراطي المسيحي" إلى البحث عن حكومة أقلية، أو ترتيبات معقدة لتشكيل حكومة دون الحزب اليميني المتطرف.
لكن مجرد حصول "البديل" على أكثر من 40% سيكون، بحد ذاته، زلزالاً سياسياً.
فالانتخابات تأتي في وقت تواجه فيه حكومة ميرتس تراجعاً في الشعبية، بينما يتقدم "البديل" على التحالف المسيحي على المستوى الوطني أيضاً. وفي ساكسونيا-أنهالت، يحاول حزب ميرتس المحلي حتى تقليل ارتباط حملته بالمستشار بسبب ضعف شعبيته.
والأخطر أن الولاية ليست معزولة سياسياً: انتخابات مكلنبورغ-فوربومرن وبرلين ستأتي، لاحقاً، هذا الشهر، ما يجعل سبتمبر اختباراً متكاملاً لمدى تحول الخريطة السياسية الألمانية.
خلاصة القول إن ما يحدث في شرق ألمانيا ليس مجرد "تمرد انتخابي" ضد ميرتس، ولا مجرد رد فعل على سياسة ميركل تجاه اللاجئين. إنه تراكم 30 عاماً من الفوارق الاقتصادية والنفسية والسياسية، تفاقم بسبب أزمات الهجرة والطاقة والحرب في أوكرانيا، واستثمره "البديل" بمهارة في تحويل الغضب المحلي إلى مشروع سياسي طموح.
وإذا أصبحت ساكسونيا-أنهالت أول ولاية ألمانية يحكمها اليمين المتطرف منذ 1945، فلن يكون ذلك مجرد انتصار للحزب اليميني المتطرف، بل سيكون دليلاً على أن "الجدار الناري" يستطيع منع اليمين من السلطة لفترة، لكنه لا يستطيع وحده منع الناخبين من التوجه إليه.
من زوايا العالم
من زوايا العالم