بث تجريبي

سري كانيه بين نص الاتفاق وواقع العودة: ضمانات غائبة وملفات تنتظر الحل

رسم اتفاق 29 كانون الثاني مسارًا لدمج مؤسسات شمال وشرق سوريا، وتضمّن التزامًا واضحًا بحق المهجّرين في العودة إلى ديارهم، إلا أن التطورات الميدانية التي رافقت عودة العائلات إلى سري كانيه كشفت فجوة بين ما نص عليه الاتفاق وما يجري على الأرض، في ظل تحديات أمنية ولوجستية وقانونية لم تُحسم بعد.

اعتداءات ومضايقات تعرقل العودة

شهدت سري كانيه عودة مئات العائلات المهجّرة، بعد سنوات من النزوح الذي أعقب الاجتياح التركي للمدينة وريفها عام 2019، في خطوة تهدف إلى معالجة ملف التهجير وتمكين الأهالي من استعادة منازلهم.

لكن مسار العودة واجه اختبارًا مبكرًا، بعدما تعرضت القافلة الأولى من العائدين لاعتداءات ومضايقات، ما دفع لجنة مهجّري سري كانيه إلى تعليق التحضيرات للقافلة الثانية مؤقتًا، مطالبة الجهات المعنية بتحمل مسؤولياتها في حماية العائدين وضمان سلامتهم.

وتكشف هذه التطورات أن تنظيم قوافل العودة وإصدار البيانات الرسمية لا يكفيان لضمان عودة آمنة ومستدامة، ما لم تترافق هذه الخطوات مع إجراءات أمنية واضحة تكفل حماية المدنيين، وتمنع أي ممارسات من شأنها تهديد سلامتهم أو عرقلة عودتهم.

الألغام والممتلكات.. ملفات تنتظر المعالجة

ولا تقتصر التحديات التي تواجه العائدين على الجانب الأمني، إذ يجدون أمامهم منازل ومنشآت متضررة، إلى جانب الألغام ومخلفات الحرب التي تتطلب إزالة وتأمين المناطق قبل تحقيق عودة آمنة للسكان.

ويبرز ملف الممتلكات بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، إذ يطالب العديد من المهجّرين باستعادة منازلهم وأراضيهم وممتلكاتهم التي فقدوا السيطرة عليها خلال سنوات النزوح، في وقت لا تزال فيه الآليات القانونية الواضحة لمعالجة الملف وإعادة الحقوق إلى أصحابها بحاجة إلى تحديد وتنفيذ.

ومن دون معالجة ملف الممتلكات بصورة عادلة وشفافة، قد تتحول العودة من خطوة لإنهاء آثار التهجير إلى مصدر جديد للنزاعات والتوترات داخل المدينة.

العودة لا تكتمل من دون مشاركة الأهالي

ويتمثل تحدٍ آخر في ضمان مشاركة سكان سري كانيه الأصليين في إدارة مدينتهم وشؤونها المحلية.

فالعودة إلى المنازل، رغم أهميتها، لا تعني وحدها استعادة الأهالي لدورهم السياسي والإداري والاجتماعي. وأي مسار جاد لإعادة الاستقرار يحتاج إلى ضمان مشاركة أبناء المدينة في مؤسساتها المحلية، وإدارة الملفات الأمنية والخدمية والإدارية، بما يضمن تمثيل السكان وحقهم في إدارة شؤون منطقتهم.

وفي هذا السياق، يبقى الحديث عن دمج المؤسسات بحاجة إلى ترجمة عملية تحدد طبيعة الإدارة المحلية وآليات توزيع الصلاحيات، وتضمن مشاركة مختلف المكونات والسكان، بعيدًا عن ترتيبات تفرضها موازين القوى على حساب إرادة الأهالي.

وفي سياق متصل بملف التهجير والعودة، يقول رئيس مجلة الشرق الأوسط الديمقراطي صلاح الدين مسلم إن التهجير الذي تعرض له سكان عفرين، وغالبيتهم من الكرد، لم يكن مجرد نتيجة عابرة للحرب، بل ارتبط بسلسلة من الممارسات التي دفعت آلاف العائلات إلى مغادرة منازلها، وسط القصف والتهديد والانتهاكات.

ويشير مسلم إلى أن المهجّرين من عفرين توزعوا على مناطق مختلفة من سوريا، بينها ريف حلب الشمالي ومخيمات النزوح، بينما استقرت عائلات من مناطق أخرى في منازل المهجّرين، ما خلّف آثارًا ديمغرافية واجتماعية عميقة لا تزال قائمة.

وتظهر تجربة عفرين حجم التعقيدات التي قد تنشأ عندما لا تترافق العودة مع ضمانات قانونية وأمنية واضحة، وآليات فعلية لاستعادة الممتلكات ومعالجة آثار التهجير.

من جهته، يرى الكاتب الصحفي سعيد محمد أحمد أن المعطيات الحالية تشير إلى أن ما يجري في سري كانيه أقرب إلى عودة منقوصة الضمانات منه إلى تطبيق كامل لروح الاتفاق.

ويشير إلى أن الحكومة الانتقالية السورية نظمت قوافل العودة وأصدرت بيانات بشأنها، لكنها لا تزال مطالبة بإثبات قدرتها على توفير الحماية للعائدين، ومعالجة ملف الممتلكات، وضمان مشاركة السكان في إدارة مدينتهم.

وتبقى ملفات الحماية واستعادة الممتلكات والمشاركة في الإدارة عوامل أساسية في تحديد مستقبل العودة إلى سري كانيه.

فنجاح العودة لا يقاس بعدد العائلات التي تصل إلى المدينة، وإنما بقدرتها على العودة إلى حياة آمنة ومستقرة، واستعادة حقوقها وممتلكاتها، والمشاركة في تقرير مستقبل مدينتها.

ويمثل اتفاق 29 كانون الثاني فرصة لمعالجة تداعيات سنوات الحرب والتهجير، إلا أن تحويل بنوده إلى واقع ملموس يتطلب إجراءات عملية وضمانات واضحة، بما يحول دون تحول العودة من خطوة نحو الاستقرار والمصالحة إلى مصدر جديد للتوتر والانقسام.

قد يهمك