بث تجريبي

مطاردة شرايين حزب الله.. كيف تتسلل الأموال الإيرانية إلى لبنان؟

يواجه حزب الله ضغوطًا مالية متزايدة، في ظل حملة واسعة تستهدف قنوات التمويل التي اعتمد عليها لسنوات، وسط تحركات أمريكية وإسرائيلية ولبنانية للحد من تدفق الأموال الإيرانية إلى الحزب، وتقليص قدرته على تمويل أنشطته العسكرية وشبكة خدماته الاجتماعية.

ولم تعد الضغوط على حزب الله تقتصر على استهداف قدراته العسكرية، إذ امتدت إلى بنيته المالية ومصادر دخله، بما في ذلك مؤسسة «القرض الحسن»، وشركات تحويل الأموال، ومحال الصرافة، ومحطات الوقود، إلى جانب مسارات نقل الأموال عبر مطار بيروت وتجارة الذهب.

وتعرض أكثر من عشرة فروع لمؤسسة «القرض الحسن» للقصف الإسرائيلي، وهي المؤسسة التي تُعد بمثابة بنك فعلي للحزب وتقدم قروضًا دون فوائد لآلاف اللبنانيين، ولا سيما من أنصاره.

كما استهدفت الغارات عددًا من محال الصرافة التي يُعتقد أنها استُخدمت في عمليات تحويل الأموال الإيرانية إلى حزب الله، فيما قدرت وزارة الخزانة الأمريكية أن طهران حولت نحو مليار دولار إلى الحزب خلال العام الماضي، معظمها عبر نظام «الحوالة».

وقبل اندلاع الحرب الأخيرة، كانت الولايات المتحدة قد قدرت التمويل الإيراني السنوي لحزب الله بنحو 700 مليون دولار، وهو ما يمثل الجزء الأكبر من ميزانية الحزب التي تقدر بنحو مليار دولار سنويًا.

وبدأت الحملة على الموارد المالية للحزب بصورة أكثر وضوحًا في أواخر عام 2024، قبل أن يتعرض لضربة إضافية عقب سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، الأمر الذي أدى إلى فقدانه طريق إمداد بري مهم كان يربطه بإيران.

ومع تراجع إمكانية استخدام الطريق البري عبر سوريا، بدأت طهران البحث عن قنوات بديلة لإيصال الأموال إلى حزب الله، وكان من بينها مطار بيروت.

وبحسب مسؤولين أمريكيين ولبنانيين وإسرائيليين، استخدمت إيران رحلات مدنية متجهة إلى بيروت لنقل الأموال إلى الحزب، وشملت بعض العمليات حقائب تحتوي على دولارات أمريكية، فيما حمل دبلوماسيون إيرانيون بعض هذه الحقائب.

وأثارت هذه التحركات مخاوف لدى واشنطن وتل أبيب، ما دفع السلطات اللبنانية إلى اتخاذ إجراءات داخل مطار بيروت، بينها إبعاد موظفين ارتبطت أسماؤهم بحزب الله، وتعيين ضباط أمن للتعامل مع إجراءات الرقابة.

وامتدت الضغوط إلى النظام المالي اللبناني، إذ ركزت واشنطن على مصرف لبنان في ظل اعتماد الاقتصاد اللبناني بدرجة كبيرة على التعاملات النقدية، التي تقول وزارة الخزانة الأمريكية إن حزب الله استغلها لغسل الأموال وتحويل الأموال القادمة من إيران.

وبعد تولي كريم سعيد منصب حاكم مصرف لبنان، اتخذ المصرف إجراءات ضد مسؤولين يشتبه في ارتباطهم بالحزب، كما بدأ تحقيقات في شركات تحويل الأموال الكبرى، وسط شبهات بشأن استخدامها في نقل أموال مرتبطة بحزب الله.

ومع تشديد الرقابة على شركات التحويل الكبرى، اتجه الحزب بصورة أكبر إلى شبكة أقل تنظيمًا من محال الصرافة، التي أصبحت إحدى القنوات الرئيسية المستخدمة في عمليات التمويل، خصوصًا من خلال نظام «الحوالة».

وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على عدد من الصرافين اللبنانيين، مشيرة إلى تحويل إيران نحو مليار دولار إلى حزب الله خلال ذلك العام، معظمها عبر نظام الحوالة.

وبالتزامن مع تشديد الخناق المالي، بدأت آثار الأزمة تظهر على شبكة الخدمات الاجتماعية التابعة للحزب. ورغم استمرار دفع رواتب عشرات الآلاف من مقاتليه إلى حد كبير، جرى تقليص بعض الخدمات الاجتماعية وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق.

وفي محاولة للعثور على مصادر بديلة للتمويل، برزت تجارة الذهب كإحدى الوسائل المستخدمة لجمع الأموال وتحويلها إلى سيولة.

وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد قالت في فبراير/شباط الماضي إن مسؤولين كبارًا في «القرض الحسن» أسسوا شركات لتجارة الذهب بهدف جمع الأموال، فيما أظهرت بيانات وتحليلات مالية ارتفاع مبيعات الذهب خلال العام الماضي.

ويُعتقد أن جزءًا من هذا التحول جاء في ظل تضرر احتياطيات حزب الله من العملات الأجنبية والذهب جراء الغارات الإسرائيلية، الأمر الذي دفعه إلى البحث عن وسائل جديدة للحفاظ على السيولة.

وكان لبنان قد حظر على البنوك وشركات الوساطة المالية التعامل مع «القرض الحسن»، ما زاد من عزل المؤسسة عن النظام المالي الرسمي، رغم اعتماد مئات الآلاف من اللبنانيين عليها للحصول على قروض دون فوائد ومساعدات وتعويضات مرتبطة بالحرب.

وتضغط الإدارة الأمريكية على الحكومة اللبنانية من أجل اتخاذ خطوات إضافية تجاه المؤسسة، وصولًا إلى إغلاقها بالكامل، في إطار مساعيها لتجفيف مصادر التمويل التي يُعتقد أنها تدعم حزب الله.

وتكشف هذه التطورات أن المواجهة مع حزب الله تجاوزت ساحات القتال لتصل إلى المجال المالي والاقتصادي، مع استهداف القنوات التي تتيح وصول الأموال الإيرانية إليه، من الحدود والمطار إلى شركات التحويل والصرافة وتجارة الذهب.

وفي المقابل، يسعى الحزب وطهران إلى إعادة تشكيل شبكات التمويل والانتقال بين القنوات الرسمية وغير الرسمية، بما يسمح بالحفاظ على تدفق الأموال رغم القيود المتزايدة.

وبذلك، أصبح مستقبل قدرة حزب الله على الحفاظ على بنيته العسكرية والاجتماعية مرتبطًا، إلى جانب قدراته الميدانية، بمدى قدرته على تأمين الموارد المالية اللازمة في ظل تصاعد الضغوط على شرايين تمويله.

قد يهمك