بث تجريبي

من القواعد إلى الشراكة.. كيف تعيد دمشق وموسكو رسم مستقبل الوجود الروسي في سوريا؟

لم يكن سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024 مجرد نهاية لمرحلة سياسية امتدت لأكثر من نصف قرن، بل مثّل نقطة تحول في طبيعة علاقات سوريا الخارجية، وفي مقدمتها علاقتها بروسيا، التي وجدت نفسها أمام واقع سياسي جديد فرض إعادة النظر في شكل وجودها العسكري ومصالحها الاستراتيجية داخل البلاد.

ومع تغير السلطة في دمشق، برزت الحاجة إلى إعادة تقييم الاتفاقيات التي نظمت الوجود الروسي في قاعدتي حميميم وطرطوس، في ظل انتقال سوريا إلى مرحلة جديدة تسعى فيها إلى استعادة سيادتها وإعادة صياغة علاقاتها الخارجية على أساس المصالح المتبادلة.

اتفاقيات قديمة أمام واقع سياسي جديد

لم يبدأ الوجود الروسي في سوريا مع التدخل العسكري لموسكو عام 2015، إذ تعود جذوره إلى عام 1971، عندما سمحت اتفاقية بين دمشق والاتحاد السوفيتي باستخدام منشأة بحرية في طرطوس لأغراض الدعم اللوجستي.

ومع اندلاع الحرب السورية، توسع الحضور الروسي بصورة كبيرة، إذ وقعت موسكو ودمشق عام 2015 اتفاقية لاستخدام قاعدة حميميم الجوية، قبل أن تُبرم في عام 2017 اتفاقيات منحت روسيا حق استخدام قاعدتي حميميم وطرطوس لمدة 49 عامًا، مع إمكانية التمديد، إلى جانب امتيازات تشغيلية وإدارية واسعة.

لكن سقوط النظام السابق غيّر البيئة السياسية التي أُبرمت في ظلها تلك الاتفاقيات، وفتح الباب أمام مفاوضات جديدة بشأن مستقبل القواعد والوجود الروسي، في وقت كانت فيه دمشق تسعى إلى تثبيت سيادتها، بينما حرصت موسكو على الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية.

18 شهرًا من التفاوض

اختارت القيادة السورية الجديدة التعامل مع الملف الروسي من خلال مسار تفاوضي بدلًا من اتخاذ قرار أحادي بإنهاء الوجود الروسي أو الإبقاء على الترتيبات السابقة دون مراجعة.

وانطلقت المفاوضات بزيارة وفد روسي إلى دمشق مطلع عام 2025، ثم تواصلت عبر لقاءات وزيارات متبادلة، شملت الرئيس الحكومة الانتقالية السورية أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني إلى موسكو.

ولم تقتصر المباحثات على مستقبل حميميم وطرطوس، بل شملت ملفات أخرى، من بينها الديون، وإعادة الإعمار، والأصول الاقتصادية، والتعاون التجاري، ومستقبل العلاقات السياسية بين البلدين.

وبالتوازي مع المسار التفاوضي، بدأت روسيا إعادة تموضع تدريجية لقواتها، إذ سحبت جزءًا من معداتها من بعض المواقع في شمال شرقي سوريا، مع الإبقاء على وجودها في الساحل، في مؤشر على استعداد موسكو للتكيف مع المعادلة السياسية الجديدة.

ومع إعلان مذكرة التفاهم، انتقل الملف من مرحلة المفاوضات المفتوحة إلى مرحلة تنفيذية محددة بثلاثة أشهر، بما وضع إطارًا عمليًا لمستقبل الوجود الروسي وأنهى جانبًا كبيرًا من حالة الغموض التي استمرت لأكثر من عام ونصف.

من القواعد العسكرية إلى مراكز التدريب

يتمثل التحول الأبرز في المذكرة الجديدة في إعادة تعريف طبيعة الوجود الروسي داخل سوريا.

فبدلًا من استمرار نموذج القواعد العسكرية المرتبط بمرحلة الحرب ودعم النظام السابق، تتجه الترتيبات الجديدة إلى تحويل المنشآت العسكرية إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل، بما يجعل الدور الروسي أكثر ارتباطًا بالتعاون الفني والعسكري المتفق عليه بين الجانبين.

وفي المقابل، تستعيد الدولة السورية إدارة عدد من المنشآت المدنية، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، بما يعيد هذه المرافق إلى المؤسسات الحكومية الانتقالية السورية.

ولا يمثل هذا التحول مجرد تغيير إداري، بل يعكس انتقال العلاقة من صيغة الامتيازات الواسعة إلى نموذج يقوم على تحديد طبيعة الوجود الروسي ومهامه، مع تأكيد السيادة السورية على المنشآت المدنية.

لماذا تتمسك موسكو بحميميم وطرطوس؟

يمثل الساحل السوري أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة إلى روسيا، ولا يرتبط اهتمام موسكو به بالجانب العسكري وحده.

فمنذ عام 2015، تحولت قاعدة حميميم إلى مركز رئيسي للعمليات الجوية الروسية في سوريا، كما أصبحت نقطة لوجستية لدعم التحركات الروسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

أما منشأة طرطوس، فتكتسب أهمية أكبر بسبب موقعها البحري، باعتبارها نقطة ارتكاز للأسطول الروسي في شرق المتوسط وخارج نطاق البحر الأسود.

ولهذا، فإن الانسحاب الروسي الكامل من الساحل السوري كان سيشكل خسارة استراتيجية لموسكو، في حين أن استمرار القواعد بصيغتها السابقة كان سيصطدم برؤية دمشق الجديدة بشأن استعادة السيادة.

ومن هنا، برزت صيغة إعادة تعريف الوجود الروسي باعتبارها حلًا وسطًا يسمح لموسكو بالحفاظ على جزء من مصالحها الاستراتيجية، دون إعادة إنتاج نموذج النفوذ الذي ارتبط بعهد الأسد.

شراكة جديدة 

تكشف مسار المفاوضات عن توجه سوري جديد في التعامل مع روسيا، يقوم على الفصل بين العلاقة مع الدولة الروسية وبين إرث النظام السابق.

فبدلًا من إنهاء العلاقة بصورة كاملة، أو استمرارها وفق الترتيبات القديمة، اختارت دمشق إعادة صياغتها على أساس الندية والمصالح المشتركة.

وامتد هذا التوجه إلى الملفات الاقتصادية، حيث استمر الجانبان في بحث مشروعات تجارية ولوجستية، من بينها التعاون المتعلق بميناء طرطوس، بما يعكس رغبة في الحفاظ على المصالح الاقتصادية، بالتوازي مع إعادة تنظيم الوجود العسكري.

وفي المقابل، فضلت موسكو التعامل مع السلطة السورية الجديدة عبر التفاوض وإعادة التموضع، بدلًا من الدخول في مواجهة سياسية أو عسكرية، وهو ما يسمح لها بالحفاظ على حضور استراتيجي في شرق المتوسط ضمن ترتيبات جديدة.

حميميم ودورها خلال المرحلة الانتقالية

لم يقتصر دور قاعدة حميميم خلال المرحلة الانتقالية على الجانب العسكري، إذ ارتبطت أيضًا بأدوار إنسانية خلال فترات التوتر التي شهدها الساحل السوري.

واستقبلت القاعدة آلاف المدنيين الفارين من مناطق الاشتباكات، مع توفير الإيواء والرعاية الطبية بالتنسيق مع السلطات السورية.

كما ارتبطت القاعدة بترتيبات مرتبطة بالمرحلة الانتقالية، من بينها عمليات إجلاء مجموعات من المقاتلين الموالين لإيران، ضمن تفاهمات شاركت فيها أطراف إقليمية ودولية.

ورغم اختلاف الروايات بشأن بعض تفاصيل تلك المرحلة، فإن هذه التطورات عكست اتساع الدور الذي لعبته حميميم خلال فترة الانتقال، بعيدًا عن وظيفتها العسكرية التقليدية.

معادلة جديدة للعلاقة السورية الروسية

لا تبدو مذكرة التفاهم مجرد تسوية بشأن مستقبل قاعدتي حميميم وطرطوس، بل تعكس تحولًا أوسع في طريقة إدارة سوريا لعلاقاتها الخارجية بعد سقوط الأسد.

فدمشق تتجه إلى بناء علاقات تستند إلى السيادة وتحديد الحقوق والواجبات والمصالح المتبادلة، بدلًا من الاتفاقيات طويلة الأمد التي منحت أطرافًا خارجية امتيازات واسعة خلال المرحلة السابقة.

وفي المقابل، أظهرت موسكو استعدادًا للتكيف مع التحولات السياسية الكبرى، بما يسمح لها بالحفاظ على مصالحها الاستراتيجية حتى مع تغير صيغة وجودها العسكري.

وبذلك، لا تقتصر أهمية التفاهم السوري الروسي على تحديد ما إذا كانت روسيا ستبقى في سوريا أو ستغادرها، بل تتجاوز ذلك إلى صياغة نموذج جديد للعلاقة بين دمشق وموسكو.

فالمعادلة الحالية تبدو قائمة على الشراكة المنظمة بدلًا من الهيمنة أو القطيعة، وهو مسار قد يشكل نموذجًا لطريقة إدارة سوريا لعلاقاتها مع القوى الدولية خلال المرحلة المقبلة.

قد يهمك