بث تجريبي

د. محمد نورالدين يكتب: النسخة الثالثة من «الناتو»: تركيا تُخاطر بعلاقاتها مع إيران

أعدّت تركيا كلّ التدابير اللازمة لتكون قمّة زعماء دول حلف «الناتو»، في عاصمتها أنقرة، «قمّة تركيا»، التي أرادت عبرها أن تُظهر موقعها الأساسي ودورها المحوري في أكبر منظمة عسكرية في العالم.

وبرز، في هذا السياق، حرص أنقرة على تظهير علاقتها «الممتازة» بواشنطن، وهو ما تجلّى في الاستقبال الاستثنائي الذي حظي به الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في القصر الرئاسي، والذي شاركت فيه فرق من الإنكشارية، وأخرى تمثّل الدول الست عشرة التي أسّسها الأتراك عبر تاريخهم، فضلاً عن طائرات مقاتلة رسمت في السماء العلم الأميركي. وفي حين وصفت الصحف التركية الموالية الزيارة بـ«التاريخية»، مشبّهةً ترامب بـ«بابا نويل»، الذي أتى حاملاً الهدايا لتركيا، بدا الحديث الودّي بين الرئيسَين، وما أُطلق خلاله من وعود، متّسقاً مع تلك الصورة.

إذ قال ترامب إنه «لولا تركيا لما حضر المؤتمر»، مشيداً كالعادة بإردوغان و«جيشه القوي». وأشار إلى أن «لدينا كيمياء جيدة جداً مع إردوغان. إنه زعيم عظيم. لقد دعاني فلبّيتُ الدعوة»، مذكّراً بإطلاق سراح القس الأميركي، أندريه برونسون، عام 2018، بقوله: «حينها اتصلت بإردوغان وأَطلق سراح برونسون». ومن جهته، لفت الرئيس التركي إلى أن «وجود الصديق العزيز ترامب حالياً في قمة أنقرة، يمنحنا المزيد من القوة. وأريد أن أعبّر عن أهمية هذه الزيارة إلى أنقرة». وفي حين تتطلّع تركيا إلى تعزيز قدراتها العسكرية بالعودة إلى برنامج إنتاج طائرات «إف 35» المقاتلة المتطوّرة، والذي كانت أُخرجت منه بعد شرائها منظومة «أس 400» من روسيا إثر انقلاب 2016، وعد ترامب ببيع تركيا خمساً من تلك الطائرات، وقال: «ولم لا؟ سنفكّر بالتأكيد في شيء ما»، ليردّ عليه إردوغان بأن «لديه وعداً لنا في ما يتعلّق بخمس طائرات من طراز إف 35. السيد ترامب يحافظ دائماً على كلمته، وأعتقد أنه سيتمّ اتخاذ قرار جيّد». على أن أيّ قرار من النوع المذكور لن يكون محبّذاً بالنسبة إلى إسرائيل واليونان اللتين تعتبران أنه يهدّد تفوّقهما الجوي في المنطقة؛ وفي هذا الإطار، نبّه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في مقابلة مع شبكة «سي إن إن»، إلى أن منح تركيا مقاتلات «إف 35» «سيدمّر توازن القوى في الشرق الأوسط»، وهو «لن يجلب الاستقرار، بل سيقود إلى مزيد من العدوان» -على حدّ زعمه- معتبراً أن أنقرة «ليست نموذجاً للحليف الأميركي».

كذلك، فإن إعادة تركيا إلى برنامج «أف 35» يتطلّب موافقة «الكونغرس» الذي أقرّ، عام 2020، قانوناً يمنع عودة تركيا إلى البرنامج المذكور طالما أنها تحتفظ بمنظومة «إس-400». وفي هذا الإطار، أعلن 18 عضواً في مجلس النواب، بقيادة الديمقراطية دينا تيتوس، معارضتهم أيّ صفقة محتملة مع أنقرة حول «أف 35»، معتبرين أن بيع هذه المقاتلات لتركيا في ظلّ استمرار وجود المنظومة الروسية لديها «سيشكل انتهاكاً للقانون الأميركي والعقوبات المفروضة على أنقرة»، بحسب ما نقله موقع «أكسيوس». لكن ترامب كان أعلن أيضاً أنه سيرفع العقوبات الأميركية على تزويد تركيا بقطع غيار لطائراتها العسكرية، والمعروفة بقانون «CAATSA» الذي يفرض عقوبات على الشركات العسكرية التركية التي تتعامل مع روسيا، قائلاً: «لا نريد فرض عقوبات على الأصدقاء»، مضيفاً أن «تركيا كانت أكثر ولاء من دول أخرى»، في إشارة إلى الحلفاء الأوروبيين.

يواجه احتمال انخراط تركيا في الصيغة الجديدة لـ«الناتو» انتقادات كثيرة حتى داخل البلاد

ويأتي ذلك في وقت تسعى فيه تركيا إلى فرض صورتها القوية على أعضاء الحلف، وإشعارهم بأن دورها أساسي للدفاع عنهم في مواجهة التهديدات الآتية من الجناحَين الشرقي والجنوبي. ولكن تركيا لا تريد أن تؤدّي هذا الدور مجاناً أو خوفاً، بل تريد أن تقايضه بمكتسبات سياسية، ليس أقلّها عودة الحوار مع أوروبا، وتسهيل ضمّها إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، والمشاركة في خططه الدفاعية. ولا يزال التكتّل يرفض هذه العضوية بدعوى بمعايير الديموقراطية والقانون وحقوق الإنسان التي لا تفي بها تركيا بالنسبة إليه، علماً أن الأوروبيين لا يحرّكون الآن ساكناً إزاء حملة إردوغان على المعارضة، والتي تشمل الاعتقالات والملاحقات وتوظيف القضاء ضدّ أبرز الخصوم، وخصوصاً حزب «الشعب الجمهوري». لكن التحدّي الأكبر الذي يواجه تركيا، يتمثّل في انتقال الحلف من نسخته التقليدية خلال الحرب الباردة، والتي كان لأنقرة دور كبير فيها في مواجهة الشيوعية، إلى نسخته الثانية الضعيفة، منذ التسعينيات حتى الآن، وصولاً إلى محاولات إقرار النسخة الثالثة، والتي تستهدف توجيه تركيز «الناتو» إلى الشرق، لمواجهة روسيا وإيران، وخلفهما الصين. ويواجَه احتمال انخراط تركيا في تلك الصيغة انتقادات كثيرة حتى داخل البلاد، من منطلق أنه سيورّطها في تحدّيات هي في غنى عنها، وغير معروفة التداعيات.

وممّا يحفّز تلك الانتقادات، أن إردوغان، الذي كان أعلن أنه يتطلّع إلى تأدية دور في تحسين العلاقات الإيرانية - الأميركية، لا يخفي جموحه إلى تبوّء موقع قيادي عالمي، ومن بوّابة حلف «الناتو» بالذات، وهو ما جعله يسكت مثلاً على إعلان ترامب أنه أعطى تعليماته، من أنقرة بالذات، لضرب إيران، ووصفه الإيرانيين بـ«الأشرار والحثالة». كما إن أنقرة لا تمانع مطلب ترامب رفع حجم مساهمتها في الإنفاق الدفاعي لـ«الناتو»، كونها أصلاً توجّه الكثير من إمكاناتها لتطوير القدرات العسكرية. ويضع هذا الأداء تركيا أمام تحدّيَين: تخصيص الجزء الأكبر من ميزانيتها ومواردها للإنفاق العسكري في إطار «الأطلسي»، واحتمال تردّي علاقاتها مع كلّ من روسيا وإيران أولاً، والصين ثانياً، خصوصاً أنها تقع على حدود الدول التي تستهدفها النسخة الجديدة من الحلف، ويراد منها أن تؤدي دوراً ريادياً فيها، مع ما يستتبعه ذلك من احتمالات تصعيد التوتر، ونشوب حروب، ومخاطر على أمن البلاد واستقرارها.

أمّا الحلفاء الأوروبيون، ورغم أنهم حاولوا مقاومة طلب ترامب رفع مساهمة الدول الأعضاء في الإنفاق الدفاعي لـ«الناتو»، من 2 في المئة من إجمالي الناتج القومي لها، إلى 3.5 في المئة عام 2029، ثمّ إلى 5 في المئة عام 2035، فإنهم بدأوا بالفعل سلوك هذا المسار. ومع ذلك، فإن أداءهم لا يروق ترامب الذي لا يفتأ يهدّدهم بأنه لن يدافع عن أوكرانيا، ولا عن أوروبا، إذا لم يرفعوا مساهمتهم تلك، مهاجماً مواقفهم من الحرب على إيران. وفي السياق، أعلن ترامب، أمس، أن «قادة الناتو شددوا على ضرورة رفع الإنفاق الدفاعي»، مشيراً إلى «(أننا) سنرى مع الرئيس الأوكراني ما يمكننا تقديمه لبلاده»، في حين جاء في البيان الختامي الصادر عن القمة أن «القادة أعلنوا زيادة الإنفاق الدفاعي، وتعهّدوا بتوسيع القدرات الصناعية العسكرية»، كما «جدّدوا دعمهم لأوكرانيا، وتعهّدوا بتقديم مساعدات عسكرية لها بقيمة 70 مليار يورو في 2026». أيضاً، شدّد البيان على «تطوير قدرات الحلف العسكرية بما في ذلك الدفاع الجوي والصاروخي»، مشيراً إلى أن «القادة أكدوا التزامهم بالدفاع الجماعي، وأن أيّ هجوم على دولة عضو يعدّ هجوماً على الحلفاء».

وفي قراءتها مجريات القمّة، رأت صحيفة «جمهورييات» أن ما جرى الاتفاق عليه «يفرض على تركيا إنشاء هياكل جديدة تتمحور حول حلف الناتو، وأن تكون منظومة الأمن التركية الشاملة أكثر اندماجاً بالحلف. ولا يضير ذلك زعيماً طامحاً مثل إردوغان». ولفتت الصحيفة إلى أن «ما يدفع بإردوغان إلى سلوك هذا المسار أيضاً، رغبته في نيل رضى الأوروبيين والأميركيين، وسكوتهم عن الممارسات القمعية التي يقوم بها الحزب الحاكم في تركيا ضدّ المعارضة، وتطلّعه إلى إجبار الأكراد على القبول بما سيطرحه عليهم من حلول لا توفّر لهم مطالبهم في ترجمة هويتهم الثقافية واللغوية، ليصل الى منتهى السعي، وهو تعديل الدستور وتجديد ولايته الرئاسية للمرة الرابعة».

======

المصدر: حساب الكاتب عبر فيسبوك

قد يهمك