تعود القضية الكردية إلى واجهة النقاش السياسي مع تصاعد التحركات الأمنية والدبلوماسية في العراق وسوريا، وتنامي التنسيق بين تركيا وحلف الناتو والاتحاد الأوروبي، في وقت تتحدث فيه قراءات سياسية عن إعادة صياغة موقعها ضمن الترتيبات الأمنية والإقليمية الجديدة.
ويستحضر هذا المشهد اتفاقية الجزائر الموقعة عام 1975 بين العراق وإيران، التي مثّلت نقطة تحول مفصلية في مسار الحركة الكردية، إذ أدى الاتفاق إلى وقف الدعم الإيراني للحركة بقيادة الملا مصطفى البارزاني، رغم أن القضية الكردية لم ترد صراحة في بنوده، لتتحمل الحركة الكردية التداعيات السياسية والعسكرية الأبرز للاتفاق.
وتشير وثائق لجنة "بِك" التابعة للكونغرس الأمريكي، التي حققت في العمليات السرية لوكالة الاستخبارات المركزية خارج الولايات المتحدة، إلى أن واشنطن تعاملت مع الحركة الكردية آنذاك باعتبارها ورقة ضغط جيوسياسية على العراق، وليس باعتبارها مشروعًا سياسيًا مستقلًا، ضمن استراتيجية أوسع ارتبطت بحسابات الحرب الباردة والتوازنات الإقليمية.
ورغم الانتكاسة التي أعقبت اتفاقية الجزائر، لم تتوقف الحركة السياسية الكردية، إذ شهدت المرحلة اللاحقة تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني وحزب العمال الكردستاني، في تحول عكس مراجعات سياسية وتنظيمية فرضتها نتائج تلك المرحلة.
وفي السياق الراهن، تتقاطع التحركات التركية في العراق وسوريا مع ملفات الأمن والطاقة والهجرة والصناعات الدفاعية، بالتوازي مع تنامي دور أنقرة داخل حلف الناتو وتعزيز تعاونها مع الاتحاد الأوروبي، ما يضع القضية الكردية ضمن شبكة أوسع من الحسابات الجيوسياسية، حتى وإن لم تكن مطروحة بصورة مباشرة في الخطاب السياسي.
وتكتسب قمة حلف الناتو المرتقبة في تركيا أهمية إضافية في ظل سعي أنقرة إلى ترسيخ موقعها بوصفها لاعبًا رئيسيًا في المنظومة الأمنية الأوروبية والأطلسية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وتشابك ملفات الشرق الأوسط والبحر الأسود وأمن الطاقة.
وتخلص القراءة إلى أن التحولات الحالية لا تمثل تكرارًا لما جرى عام 1975، لكنها تعكس تشابهًا في طبيعة إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، بما يفرض متابعة المؤشرات الاستراتيجية والتطورات المتراكمة لفهم مسار القضية الكردية داخل المشهد الأمني الجديد.
وفي ظل هذه المتغيرات، يبرز تساؤل حول موقع الكرد في الهندسة الأمنية التي تتشكل في المنطقة، وما إذا كانوا سيبقون جزءًا من حسابات القوى الإقليمية والدولية، أم سيتمكنون من بناء مسار سياسي يستند إلى تجربتهم التاريخية وإرادتهم الذاتية.