يرى مراقبون أن المسار القانوني الذي تتداوله الدوائر المقربة من الحزب الحاكم في تركيا يرتكز على محورين رئيسيين، يتمثل الأول في إجراء تعديل دستوري بصياغة قانونية تسمح بإعادة احتساب الفترات الرئاسية من نقطة البداية، عبر اعتبار أن الولايتين السابقتين للرئيس رجب طيب أردوغان جرتا في ظل نظام سياسي مختلف، وأن التحول إلى النظام الرئاسي عام 2018 مثّل نقطة تأسيس دستورية جديدة، بما يعني إعادة ضبط المدد الرئاسية وفق هذا التحول.
ورغم أن هذا التفسير يستند إلى سوابق معروفة في القانون الدستوري، فإنه يواجه إشكالية جوهرية تتمثل في أن البرلمان الذي أقر تعديلات دستور 2017 لم يتعامل مع الانتقال للنظام الرئاسي باعتباره لحظة تأسيسية جديدة تُسقط ما سبقها من ولايات رئاسية، وهو ما يفتح الباب أمام الطعن في هذا التفسير أمام المحكمة الدستورية التركية.
أما المسار الثاني، فيقوم على تعديل دستوري مباشر وصريح، وهو خيار أكثر تعقيدًا، إذ يتطلب إما موافقة ثلثي أعضاء البرلمان، أو تمرير التعديل عبر استفتاء شعبي حال الحصول على تأييد ثلاثة أخماس النواب، وهي معادلة سياسية صعبة تضع الحزب الحاكم أمام تحدٍ واضح، خاصة أنه لا يمتلك بمفرده العدد الكافي لتمرير أي من هذين الخيارين.
وتبرز التحالفات البرلمانية باعتبارها العقبة الأكبر أمام هذا المسار، حيث يحتاج حزب العدالة والتنمية إلى شريك سياسي قادر على توفير الأصوات المطلوبة داخل البرلمان. وفي هذا السياق، يبرز ما بات يُعرف بـ"إعلان أنقرة لعملية السلام"، الذي يمنح حزب المساواة وديمقراطية الشعوب مساحة تأثير قد يستثمرها في الدفع نحو تحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية، وترسيخ الاستقرار الداخلي، عبر إعادة إحياء مشروع السلام والمجتمع الديمقراطي.
لكن هذه المعادلة تضع أردوغان في موقف معقد، إذ إن الرجل الذي بنى جزءًا مهمًا من شعبيته الانتخابية على خطاب أمني متشدد تجاه القضية الكردية، قد يجد نفسه مضطرًا للاعتماد على هذا الملف ذاته من أجل تأمين بقائه السياسي وضمان استمراره في السلطة.
ولم يعد ملف السلام، وفق مراقبين، مجرد أداة تكتيكية يستخدمها أردوغان لحصد أصوات برلمانية إضافية، بل تحول إلى رهان سياسي وانتخابي أوسع نطاقًا، خاصة في ظل حالة الإرهاق المتزايد التي يعيشها الشارع التركي نتيجة أزمات الاقتصاد، والتضخم، والارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة.
ويبدو أن أردوغان يدرك جيدًا أن تحقيق اختراق تاريخي في ملف السلام قد يعيد رسم الخريطة الانتخابية التركية بشكل يتجاوز حسابات الاستقطاب الحزبي التقليدي، فبينما توجد قاعدة قومية تركية قد ترفض هذا التوجه وتتعامل معه باعتباره تنازلًا سياسيًا، هناك في المقابل قطاع من الناخبين الوسطيين الذين أنهكتهم عقود الصراع، وقد ينجذبون إلى مشروع سياسي يحمل شعار إنهاء العنف المسلح واستعادة الاستقرار الداخلي.
وفي هذا الإطار، قال الدكتور بشير عبدالفتاح، الأكاديمي المصري، إن ردود الفعل داخل تركيا تكشف عن حالة انقسام سياسي لا تقتصر فقط على الحدود التقليدية بين الحكومة والمعارضة، موضحًا أن حزب الشعب الجمهوري يجد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد، لأن رفضه لمسار السلام الكردي قد يضعه في موقع الطرف الذي يتمسك باستمرار الأزمة بدلًا من الدفع نحو الاستقرار، بينما القبول به قد يفتح الطريق أمام إقرار مزيد من الحقوق السياسية والاجتماعية للمكونات المختلفة داخل البلاد.
وأشار إلى أن حزب الحركة القومية، الحليف التقليدي لأردوغان، يواجه بدوره مأزقًا أكثر حساسية، لأن قبوله بأي تحولات جوهرية في ملف السلام الكردي قد يهدد البنية الأيديولوجية التي تأسس عليها الحزب، والتي قامت تاريخيًا على خطاب قومي متشدد تجاه هذه القضية.
من جانبه، أكد الكاتب الصحفي المتخصص في الشأن التركي مصطفى صلاح أن أردوغان يسعى إلى إطالة عمر مشروعه السياسي مستفيدًا من ثغرة دستورية يحاول تقديمها في إطار إصلاحي، مشيرًا إلى أنه يوظف ملف السلام والمجتمع الديمقراطي باعتباره الطريق الذي يمكن أن يقوده إلى تأمين الأغلبية البرلمانية اللازمة.
وأضاف أن نجاح هذه المعادلة السياسية يظل مرهونًا بعوامل عدة ليست جميعها تحت سيطرة أردوغان، وفي مقدمتها مستقبل الاقتصاد التركي قبل أي استحقاق انتخابي أو استفتاء محتمل، إلى جانب قدرة المعارضة على تحويل ملف التعديلات الدستورية من نقاش قانوني محدود إلى قضية رأي عام واسعة يمكن أن تؤثر على المزاج الشعبي التركي.