بث تجريبي

العراق يفتح أكبر ملفات النزاهة.. هل تتحول حملة مكافحة الفساد إلى نقطة فاصلة في إعادة بناء الدولة؟

لم يعد ملف مكافحة الفساد في العراق مجرد قضية تتصدر البيانات الرسمية أو محورًا يتكرر في برامج الحكومات المتعاقبة، بل تحول خلال الأشهر الأخيرة إلى أحد أبرز الملفات التي تعكس طبيعة المرحلة التي تمر بها الدولة العراقية، في ظل مساعٍ لإعادة بناء مؤسساتها وتعزيز ثقة المواطنين بها، بالتوازي مع محاولات تحسين البيئة الاقتصادية واستقطاب الاستثمارات. وبينما تؤكد الحكومة أن مكافحة الفساد تمثل أولوية وطنية لا تقل أهمية عن الملفات الأمنية والاقتصادية، يرى مراقبون أن نجاح هذه الجهود لن يقاس بعدد أوامر القبض أو القضايا التي تُفتح، وإنما بقدرة الدولة على إحداث تغيير مؤسسي يحد من أسباب الفساد ويمنع إعادة إنتاجه.

وتأتي هذه التحركات في وقت يواجه فيه العراق تحديات متراكمة نتجت عن سنوات طويلة من الاضطرابات السياسية والاقتصادية، إذ أسهمت تعقيدات النظام الإداري وتشابك الصلاحيات وضعف الرقابة في خلق بيئة أتاحت انتشار ممارسات أضرت بالمال العام وأثرت في كفاءة المؤسسات. ومع تصاعد المطالب الشعبية بتحسين الخدمات ومحاسبة المتورطين في قضايا الفساد، أصبح هذا الملف اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على الانتقال من مرحلة التعهدات إلى مرحلة التنفيذ، بما يرسخ مبادئ الشفافية وسيادة القانون.

وخلال الأيام الماضية، شهدت بغداد وعدد من المحافظات سلسلة من الإجراءات الأمنية والقضائية التي استهدفت مسؤولين وموظفين في مؤسسات حكومية على خلفية اتهامات تتعلق باستغلال المنصب العام والإضرار بالمال العام. وجاءت هذه الإجراءات بالتزامن مع تحركات لهيئة النزاهة والسلطات القضائية، التي أكدت أن التحقيقات تستند إلى أوامر قانونية وأنها مستمرة وفق الأطر القضائية المعتمدة، في خطوة تعكس توجهًا لإظهار أن مبدأ المساءلة يشمل جميع المستويات الوظيفية دون استثناء.

وفي موازاة ذلك، حظيت الجهود العراقية بإشادة من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذي أكد أن البلاد أحرزت تقدمًا في مجال مكافحة الفساد واسترداد الأموال والأصول المنهوبة، معتبرًا أن هذا الملف بات يمثل إحدى أولويات الحكومة في المرحلة الحالية. ورغم أهمية هذا التقييم، شدد البرنامج على أن تحقيق نتائج مستدامة يتطلب مواصلة الإصلاحات القانونية والإدارية، وتعزيز استقلالية المؤسسات الرقابية، وتطوير آليات استرداد الأموال العامة، بما يضمن تحويل الإجراءات الحالية إلى نهج دائم في إدارة الدولة.

ورغم المؤشرات الإيجابية التي رافقت الحملة الأخيرة، فإن كثيرًا من المراقبين يتعاملون معها بحذر، مستحضرين تجارب سابقة شهدت إطلاق حملات مماثلة انتهى بعضها إلى نتائج محدودة بسبب تعقيد الملفات، أو بطء الإجراءات القضائية، أو تشابك المصالح السياسية والإدارية. ومن هنا، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه على المشهد العراقي: هل تمثل التحركات الأخيرة بداية مرحلة جديدة في مكافحة الفساد وإصلاح مؤسسات الدولة، أم أنها ستظل خطوة مؤقتة في مسار طويل من التحديات التي تواجه بناء منظومة أكثر نزاهة وشفافية؟

من الاعتقالات إلى الإصلاح المؤسسي.. هل تغيرت مقاربة الدولة في مواجهة الفساد؟

لم تأتِ الحملة الأخيرة من فراغ، بل جاءت في سياق مسار بدأ منذ أشهر مع إعلان الحكومة العراقية توسيع نطاق عمل الأجهزة الرقابية، وإعطاء أولوية لملفات استرداد الأموال العامة وملاحقة المتورطين في قضايا الفساد. إلا أن الأيام الأخيرة مثلت نقطة تحول لافتة، بعدما انتقلت الإجراءات من مرحلة الإعلان عن التحقيقات إلى تنفيذ أوامر قبض طالت مسؤولين وشخصيات معروفة، الأمر الذي أعاد فتح النقاش حول قدرة الدولة على تفكيك شبكات الفساد التي تراكمت داخل مؤسساتها على مدى سنوات.

وشهدت بغداد وعدد من المحافظات سلسلة من الإجراءات الأمنية والقضائية التي استهدفت مسؤولين وموظفين في مؤسسات حكومية على خلفية اتهامات تتعلق باستغلال المنصب العام والإضرار بالمال العام. وجاءت هذه الإجراءات بالتزامن مع تحركات لهيئة النزاهة والسلطات القضائية، التي أكدت أن التحقيقات تستند إلى أوامر قانونية وأنها مستمرة وفق الأطر القضائية المعتمدة، في خطوة تعكس توجهًا لإظهار أن مبدأ المساءلة يشمل جميع المستويات الوظيفية دون استثناء.

توسيع نطاق التحقيقات وتعزيز المساءلة

تشير التطورات الأخيرة إلى أن السلطات العراقية تحاول الانتقال من معالجة ملفات الفساد بصورة منفردة إلى اعتماد مقاربة أكثر شمولًا تقوم على توسيع نطاق التحقيقات وربطها بإجراءات رقابية وقضائية متزامنة. فبدل الاكتفاء بفتح ملفات محددة أو الإعلان عن لجان تحقيق، اتجهت المؤسسات المختصة خلال الفترة الماضية إلى تنفيذ أوامر قبض بحق مسؤولين وموظفين في قضايا تتعلق بالمال العام، بالتوازي مع استكمال التحقيقات في ملفات أخرى لا تزال قيد المتابعة.

وتعكس هذه الإجراءات محاولة لإظهار أن مكافحة الفساد لم تعد ملفًا موسميًا يرتبط بالضغوط السياسية أو الإعلامية، وإنما جزء من مسار إصلاحي أوسع يهدف إلى تعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، ورفع كفاءة الإدارة العامة، وحماية الموارد المالية في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد.

رسائل داخلية وخارجية للحملة

ويرى مختصون في الشأن العراقي أن أهمية الحملة الحالية لا تكمن فقط في حجم القضايا التي يجري التحقيق فيها، بل في الرسائل التي تحملها، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. فمن جهة، تسعى الحكومة إلى طمأنة الرأي العام بأن ملفات الفساد الكبرى لن تبقى بمنأى عن المساءلة، ومن جهة أخرى، تحاول تقديم صورة أكثر إيجابية للشركاء الدوليين والمؤسسات المالية بشأن التزامها بتعزيز الشفافية وتحسين الحوكمة.

وفي السياق ذاته، يكتسب ملف استرداد الأموال والأصول المنهوبة أهمية متزايدة، إذ تشير التقديرات إلى أن نجاح الدولة في هذا المسار لا يقتصر على استعادة الموارد المالية، بل يمتد إلى ترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب، وإعادة الثقة بقدرة المؤسسات على حماية المال العام. كما أن استرداد تلك الأموال يمكن أن يسهم في دعم خطط التنمية وتمويل مشاريع البنية التحتية والخدمات، وهو ما يجعل هذا الملف ذا أبعاد اقتصادية واجتماعية، إلى جانب أبعاده القانونية والسياسية.

وفي موازاة ذلك، حظيت الجهود العراقية بإشادة من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذي أكد أن البلاد أحرزت تقدمًا في مجال مكافحة الفساد واسترداد الأموال والأصول المنهوبة، معتبرًا أن هذا الملف بات يمثل إحدى أولويات الحكومة في المرحلة الحالية. ورغم أهمية هذا التقييم، شدد البرنامج على أن تحقيق نتائج مستدامة يتطلب مواصلة الإصلاحات القانونية والإدارية، وتعزيز استقلالية المؤسسات الرقابية، وتطوير آليات استرداد الأموال العامة، بما يضمن تحويل الإجراءات الحالية إلى نهج دائم في إدارة الدولة.

الإصلاح المؤسسي بوصفه الضمانة للاستدامة

غير أن مراقبين يؤكدون أن الحملة، رغم أهميتها، ستظل بحاجة إلى استكمالها بإصلاحات مؤسسية أعمق، تشمل تحديث الأنظمة الإدارية، وتوسيع التحول الرقمي في المؤسسات الحكومية، وتعزيز الشفافية في العقود العامة، وتطوير أدوات الرقابة المالية، بما يقلل من فرص الفساد قبل وقوعه، بدلاً من الاكتفاء بملاحقته بعد حدوثه.

ويجمع خبراء الحوكمة على أن نجاح أي استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد لا يتحقق من خلال الاعتقالات وحدها، وإنما عبر بناء منظومة متكاملة تقوم على استقلال القضاء، وفاعلية الأجهزة الرقابية، وسرعة الفصل في القضايا، وحماية المبلغين، وإتاحة المعلومات للرأي العام ضمن الأطر القانونية. وعندها فقط يمكن الحديث عن تحول حقيقي في إدارة هذا الملف، وليس مجرد حملة استثنائية فرضتها الظروف السياسية أو الضغوط الداخلية.

ومع استمرار التحقيقات واتساع نطاقها، تبدو الدولة العراقية أمام اختبار مفصلي، لا يتعلق فقط بمحاسبة المتورطين، بل بقدرتها على تحويل هذه الإجراءات إلى نقطة انطلاق لإصلاحات طويلة الأمد تعيد صياغة العلاقة بين مؤسسات الدولة والمال العام، وتؤسس لمرحلة يكون فيها القانون هو المرجعية الأساسية في إدارة الشأن العام.

شبكات النفوذ والفساد.. لماذا تبدو المواجهة أكثر تعقيدًا من مجرد حملة اعتقالات؟

إذا كانت الإجراءات الأمنية والقضائية الأخيرة قد أعادت ملف الفساد إلى واجهة المشهد العراقي، فإن التحدي الحقيقي يكمن في طبيعة المنظومة التي نشأت على مدار أكثر من عقدين، والتي جعلت من الفساد ظاهرة معقدة تتداخل فيها الجوانب السياسية والإدارية والاقتصادية. فالقضية لا ترتبط، وفق كثير من الخبراء، بمخالفات فردية أو تجاوزات معزولة، وإنما بشبكات مصالح تشكلت داخل عدد من المؤسسات، واستفادت من الثغرات القانونية وضعف الرقابة وتعقيد الإجراءات الإدارية.

ومنذ عام 2003، شهد العراق توسعًا كبيرًا في حجم الإنفاق العام وعدد المؤسسات الحكومية، مدفوعًا بارتفاع الإيرادات النفطية ومتطلبات إعادة الإعمار. إلا أن هذا التوسع لم يواكبه تطوير مماثل لمنظومة الحوكمة والرقابة، الأمر الذي أوجد بيئة سمحت في بعض الحالات بظهور ممارسات أثرت في كفاءة الإدارة العامة وأثارت شبهات حول إدارة المال العام والعقود الحكومية.

تراكمات عقدين من التحديات المؤسسية

يرى مختصون أن تراكم الملفات على مدى سنوات جعل التحقيق في قضايا الفساد أكثر تعقيدًا، خاصة عندما تتداخل المسؤوليات بين أكثر من جهة حكومية أو تمتد الوقائع إلى فترات زمنية طويلة. كما أن بعض القضايا تتطلب مراجعة آلاف الوثائق والعقود والسجلات المالية، وهو ما يفسر استمرار التحقيقات لفترات طويلة قبل الوصول إلى نتائج نهائية.

وفي هذا السياق، لا يقتصر التحدي على كشف المخالفات، بل يمتد إلى القدرة على استكمال الإجراءات القضائية حتى نهايتها، بما يضمن صدور أحكام تستند إلى الأدلة والوقائع، ويحافظ في الوقت نفسه على مبادئ العدالة وحقوق جميع الأطراف. فنجاح أي حملة لمكافحة الفساد لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يتم توقيفهم، وإنما بمدى قدرة المؤسسات القضائية والرقابية على استكمال مسار المحاسبة بصورة مستقلة وشفافة.

استرداد الأموال وترسيخ سيادة القانون

يبرز ملف استرداد الأموال والأصول المنهوبة باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية، نظرًا لما يحمله من أبعاد اقتصادية وقانونية. فاستعادة الأموال العامة لا تعني فقط تعويض جزء من الخسائر المالية التي تكبدتها الدولة، بل تمثل أيضًا رسالة بأن جرائم الاعتداء على المال العام لا تمر دون محاسبة، وأن المؤسسات العراقية قادرة على ملاحقة تلك الأموال بالتعاون مع الجهات الدولية المختصة.

ويرى خبراء اقتصاديون أن نجاح العراق في هذا المسار يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على تمويل مشاريع البنية التحتية وتحسين الخدمات العامة، إضافة إلى تعزيز ثقة المستثمرين في بيئة الأعمال العراقية، باعتبار أن ارتفاع مستويات الشفافية والرقابة يمثل أحد العوامل الأساسية لجذب الاستثمارات وتحقيق التنمية المستدامة.

من المحاسبة إلى الوقاية

ورغم أهمية الإجراءات القضائية، يؤكد خبراء الحوكمة أن المعالجة الحقيقية للفساد تبدأ بمنع أسبابه قبل وقوعه، وليس الاكتفاء بملاحقة نتائجه. ويتطلب ذلك تطوير الإدارة العامة، وتبسيط الإجراءات الحكومية، وتعزيز استخدام الأنظمة الرقمية، وتوسيع نطاق الرقابة المالية والإدارية، بما يقلل من فرص استغلال السلطة أو إساءة استخدام الموارد العامة.

كما يشدد مختصون على أن بناء منظومة فعالة لمكافحة الفساد يستوجب استقلال الأجهزة الرقابية، وتسريع الفصل في القضايا، وتطوير آليات الإفصاح والشفافية، إلى جانب توفير بيئة قانونية تحمي المبلغين عن المخالفات وتشجع على الإبلاغ عنها. ويرى هؤلاء أن نجاح الإصلاح لا يعتمد على الإجراءات الاستثنائية وحدها، بل على تحويل مبادئ النزاهة والمساءلة إلى جزء ثابت من آليات عمل مؤسسات الدولة.

وفي ظل استمرار التحقيقات واتساع نطاقها، تبدو الدولة العراقية أمام اختبار يتجاوز حدود ملاحقة المتورطين في قضايا الفساد، ليصل إلى قدرتها على بناء مؤسسات أكثر كفاءة وشفافية، قادرة على حماية المال العام وتعزيز ثقة المواطنين في أجهزة الدولة، بما يضع أسسًا أكثر استدامة لعملية الإصلاح الإداري والاقتصادي.

هل تكفي الاعتقالات وحدها؟.. الإصلاح المؤسسي والرقمنة بوصفهما الرهان الحقيقي

إذا كانت حملات الاعتقال والتحقيق تمثل الخطوة الأولى في مسار مكافحة الفساد، فإن التجارب الدولية تؤكد أن نجاح هذا المسار لا يتحقق من خلال الإجراءات القضائية وحدها، بل يتطلب بناء منظومة مؤسسية قادرة على الحد من فرص الفساد قبل وقوعه. لذلك، ينظر خبراء الإدارة العامة والحوكمة إلى الإصلاح الإداري والتحول الرقمي باعتبارهما الركيزتين الأساسيتين لأي استراتيجية مستدامة تهدف إلى حماية المال العام وتعزيز الشفافية داخل مؤسسات الدولة.

وتشير تجارب العديد من الدول إلى أن تقليص الاحتكاك المباشر بين الموظف والمواطن، واعتماد الخدمات الإلكترونية، ورقمنة إجراءات التعاقد والإنفاق الحكومي، أسهمت في خفض معدلات الفساد وزيادة كفاءة الإدارة العامة. ومن هذا المنطلق، يبرز التحول الرقمي باعتباره أداة وقائية تقلل من فرص التلاعب، وتسهم في تعزيز الرقابة على مختلف مراحل الإنفاق وإدارة الموارد.

التحول الرقمي لتقليص فرص الفساد

خلال السنوات الأخيرة، اتجه العراق إلى تنفيذ عدد من برامج التحول الرقمي في مؤسسات الدولة، شملت تطوير الخدمات الإلكترونية، وتحديث بعض الأنظمة المالية والإدارية، وربط عدد من الجهات الحكومية بمنصات رقمية تهدف إلى تسريع إنجاز المعاملات وتعزيز الرقابة على المال العام. ورغم أن هذه الخطوات لا تزال في مراحل متفاوتة من التنفيذ، فإنها تعكس توجهًا نحو تقليل الاعتماد على الإجراءات الورقية التقليدية، التي غالبًا ما ترتبط بارتفاع معدلات البيروقراطية وصعوبة تتبع مسارات الإنفاق.

ويرى مختصون أن نجاح هذا التحول يتطلب استكمال مشاريع الربط الإلكتروني بين المؤسسات الحكومية، وتطوير قواعد البيانات، واعتماد أنظمة حديثة لإدارة العقود والمشتريات الحكومية، بما يسمح برفع مستوى الشفافية وإتاحة قدر أكبر من المعلومات للجهات الرقابية.

تحديث التشريعات وتعزيز الشفافية

ولا يقتصر الإصلاح على الجانب التقني، إذ تحتاج منظومة مكافحة الفساد إلى تطوير مستمر في الإطار التشريعي، بما يشمل تحديث القوانين المتعلقة بالنزاهة والإثراء غير المشروع وتضارب المصالح والإفصاح عن الذمة المالية، بما يواكب التطورات الاقتصادية والإدارية وأساليب ارتكاب الجرائم المالية.

كما يؤكد خبراء القانون أهمية توفير حماية قانونية للمبلغين عن قضايا الفساد، وتعزيز حق الوصول إلى المعلومات، وتطوير آليات الرقابة على العقود العامة، باعتبارها أدوات رئيسية لتعزيز الشفافية وترسيخ ثقافة المساءلة داخل مؤسسات الدولة.

التعاون الدولي والإرادة السياسية

إلى جانب الإصلاحات الداخلية، يشكل التعاون مع المنظمات الدولية عنصرًا مهمًا في تطوير قدرات العراق بمجالات الحوكمة والشفافية واسترداد الأموال العامة، سواء من خلال تبادل الخبرات أو تنفيذ برامج التدريب والدعم الفني للأجهزة الرقابية والقضائية.

وفي المقابل، يؤكد محللون أن نجاح هذه الإصلاحات سيظل مرهونًا بوجود إرادة سياسية ثابتة تضمن استمرارها، بعيدًا عن تغير الحكومات أو التحولات السياسية. فالإصلاح المؤسسي لا يمكن أن يكون مشروعًا مؤقتًا، بل يحتاج إلى رؤية طويلة الأمد، تقوم على استقلال القضاء، وتعزيز دور المؤسسات الرقابية، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص وسيادة القانون.

ومن هذا المنطلق، تبدو المرحلة الحالية فرصة مهمة أمام العراق للانتقال من سياسة الاستجابة لملفات الفساد بعد وقوعها إلى بناء منظومة وقائية تقلل من فرص حدوثها. وإذا نجحت الدولة في الجمع بين المحاسبة القضائية، والإصلاح الإداري، والتحول الرقمي، وتطوير التشريعات، فإنها ستكون قد وضعت الأساس لمعالجة أكثر استدامة لهذا الملف، بما يعزز ثقة المواطنين في مؤسساتهم، ويدعم جهود التنمية، ويكرس مبدأ أن حماية المال العام ليست مسؤولية جهة بعينها، بل ركيزة أساسية في بناء دولة القانون والمؤسسات.

بين الضغوط الداخلية والدعم الدولي.. إلى أين تتجه معركة العراق مع الفساد؟

تمثل الحملة الحالية اختبارًا يتجاوز حدود ملاحقة المتهمين في قضايا الفساد، إذ ترتبط بنتائجها رهانات سياسية واقتصادية ومؤسسية قد تؤثر في مسار الدولة العراقية خلال السنوات المقبلة. فمع اتساع التحقيقات وارتفاع سقف التوقعات الشعبية، تجد الحكومة نفسها أمام تحدي إثبات أن ما يجري ليس مجرد استجابة ظرفية لضغوط داخلية، وإنما جزء من مشروع إصلاحي طويل الأمد يهدف إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

وتأتي هذه التحديات في وقت يواجه فيه العراق استحقاقات اقتصادية كبيرة، تتطلب رفع كفاءة الإنفاق العام، وتحسين بيئة الاستثمار، وتسريع تنفيذ مشاريع البنية التحتية، وهي أهداف يصعب تحقيقها في ظل استمرار مظاهر الفساد أو ضعف الرقابة على إدارة المال العام. لذلك، ينظر كثير من الخبراء إلى مكافحة الفساد بوصفها ركيزة أساسية لأي برنامج إصلاح اقتصادي، وليست مجرد ملف قانوني أو أمني.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية التعاون بين العراق والمنظمات الدولية المعنية بالحوكمة والشفافية، التي تؤكد باستمرار أن الإصلاح المؤسسي يمثل العامل الحاسم في ضمان استدامة نتائج حملات مكافحة الفساد. وتشير هذه المؤسسات إلى أن تطوير التشريعات، وتعزيز استقلال القضاء، ورفع كفاءة الأجهزة الرقابية، وتوسيع نطاق الخدمات الحكومية الرقمية، كلها عناصر تكمل الإجراءات القضائية، وتسهم في بناء منظومة تقل فيها فرص استغلال السلطة أو المال العام.

وفي المقابل، يرى محللون أن نجاح الدولة في هذا المسار سيظل مرتبطًا بقدرتها على تطبيق القانون بمعيار واحد، بعيدًا عن الانتماءات السياسية أو الاعتبارات الحزبية. فاستمرار الثقة الشعبية يتطلب أن تشمل المساءلة جميع من تثبت بحقهم مخالفات، وأن تُدار التحقيقات وفق الأصول القانونية، بما يحفظ حقوق المتهمين ويضمن في الوقت ذاته حماية المال العام ومحاسبة المسؤولين عن أي تجاوزات.

كما يلفت مراقبون إلى أن استرداد الأموال والأصول المنهوبة سيشكل أحد أهم المؤشرات التي سيُقاس بها نجاح الحملة، نظرًا لما يمثله هذا الملف من أهمية اقتصادية ورمزية. فإعادة هذه الأموال إلى خزينة الدولة لا تعني فقط تعويض جزء من الخسائر المالية، بل تحمل رسالة بأن جرائم الفساد لا تسقط بالتقادم، وأن الدولة تمتلك الإرادة والقدرة على ملاحقة الأموال العامة أينما وجدت، بالتعاون مع الجهات الدولية المختصة.

وفي الوقت نفسه، فإن بناء منظومة فعالة لمكافحة الفساد يتطلب إشراك المجتمع في عملية الرقابة، من خلال دعم دور الإعلام المهني، وحماية المبلغين عن قضايا الفساد، وتعزيز حق الحصول على المعلومات، بما يرسخ ثقافة المساءلة ويجعل الشفافية جزءًا من الممارسة اليومية داخل مؤسسات الدولة، وليس مجرد هدف تعلنه الحكومات.

ومع استمرار التحقيقات، يبقى من المبكر إصدار أحكام نهائية بشأن نتائج الحملة، غير أن المؤكد هو أن العراق يقف أمام فرصة لإعادة صياغة مقاربته في التعامل مع أحد أكثر الملفات تعقيدًا. فإذا نجحت السلطات في استكمال التحقيقات، وإصدار الأحكام القضائية، واسترداد الأموال العامة، وإطلاق إصلاحات إدارية وتشريعية موازية، فقد تمثل المرحلة الحالية بداية تحول حقيقي في إدارة مؤسسات الدولة.

أما إذا اقتصرت الجهود على الإجراءات الآنية دون استكمال مسار الإصلاح المؤسسي، فقد تواجه الحملة المصير ذاته الذي واجهته مبادرات سابقة، عندما تراجع زخمها تدريجيًا أمام تعقيدات الواقع السياسي والإداري.

وفي المحصلة، تبدو معركة مكافحة الفساد في العراق أبعد من كونها مواجهة مع أفراد أو قضايا منفصلة، فهي معركة ترتبط بمستقبل مؤسسات الدولة، وقدرتها على ترسيخ سيادة القانون، وحماية الموارد العامة، واستعادة ثقة المواطنين والشركاء الدوليين. وبينما لا تزال الطريق نحو تحقيق هذه الأهداف طويلة ومحفوفة بالتحديات، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى أن الملف دخل مرحلة جديدة، سيكون نجاحها أو إخفاقها أحد أبرز المؤشرات على مسار الإصلاح في العراق خلال المرحلة المقبلة.

قد يهمك