بث تجريبي

حين تصنع المؤسسات أثرًا .. طابة نموذجًا

في ضوء القيمة الحقيقية التي تضيفها المؤسسات للمجتمع، تأتي تجربة فريدة من بين هذه التجارب ألا وهي مؤسسة طابة للأبحاث والاستشارات التنموية، التي اختارت أن تجعل الإنسان محور عملها، وأن تتعامل مع التنمية بوصفها بناءً للعقل والروح والوعي، لا مجرد تنظيم أنشطة وفعاليات.

فمنذ نشأتها، سعت المؤسسة إلى تقديم نموذج مختلف يقوم على معالجة القضايا الفكرية والثقافية من جذورها، من خلال مبادرات وبرامج تستهدف الإنسان في مختلف مراحله واهتماماته، وتفتح مساحات للحوار والتفكير والنقاش المسؤول، وهو ما جعلها حاضرة في قضايا الشباب والهوية والتماسك المجتمعي ومواجهة الأفكار المتطرفة، عبر أدوات علمية ومعرفية تتجاوز الحلول السطحية والمؤقتة.

بناء على ما سبق، لا تنبع أهمية تجربة مؤسسة طابة من تنوع أنشطتها فحسب، بل من الرؤية التي تربط بينها جميعًا؛ فكل مبادرة أو فعالية تمثل جزءًا من مشروع أشمل يهدف إلى بناء إنسان أكثر وعيًا بنفسه ومجتمعه، وأكثر قدرة على التعامل مع تحديات عصره. ومن هنا يمكن قراءة تجربة طابة باعتبارها نموذجًا لمؤسسة لا تكتفي بالتفاعل مع الواقع، بل تسعى إلى الإسهام في تشكيله بصورة أكثر توازنًا واستدامة.

السؤال لحماية الوعي:

تجسد مبادرة "سؤال" هذا التوجه بوضوح، فهي تفتح المجال أمام الشباب لطرح أسئلتهم الوجودية والفكرية في مناخ يحترم العقل ولا يخشى النقاش، وقد ظهر أثر ذلك في التفاعل الكبير الذي شهدته لقاءات المبادرة، ومنها الحوار المباشر مع فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة، والذي شارك فيه آلاف الشباب الباحثين عن إجابات مقنعة لأسئلتهم.

ولم تكتف المبادرة بالحوارات التقليدية، بل اتجهت إلى مناقشة أعمال ثقافية وسينمائية تثير قضايا فكرية وعقدية، في محاولة لربط الأسئلة الكبرى بلغة العصر وأدواته، فالفكرة الأساسية هنا ليست تقديم إجابات جاهزة، بل تدريب العقل على التفكير والنقاش والبحث.

كما أن ما يميز مبادرة "سؤال" أنها لا تنطلق من افتراض امتلاك الحقيقة بصورة أحادية، وإنما من الإيمان بأن الوصول إلى اليقين يبدأ غالبًا من مساحة آمنة للتساؤل والتفكير. فالكثير من القضايا التي تشغل الشباب اليوم تتجاوز حدود الأسئلة الدينية التقليدية إلى تساؤلات مرتبطة بالهوية والمعنى والغاية من الحياة والعلاقة بين الدين والواقع المعاصر، وهي موضوعات تحتاج إلى خطاب قادر على الاستماع بقدر قدرته على الإجابة. ومن هنا جاءت أهمية المبادرة في تقديم نموذج للحوار يقوم على الاحترام المتبادل والانفتاح الفكري، بعيدًا عن أساليب التلقين أو المصادرة.

وقد أسهم هذا النهج في خلق حالة من التفاعل الإيجابي بين المشاركين، حيث لا يكون الشاب مجرد متلقٍ للمعلومة، بل طرفًا فاعلًا في صناعة النقاش وتوجيهه، كما ساعدت المبادرة على بناء جسور تواصل بين الشباب والمتخصصين والباحثين، بما يتيح تداول الأفكار ومناقشتها في إطار علمي وموضوعي.

وفي ظل ما يشهده الفضاء الرقمي من انتشار للمعلومات المضللة والأفكار المتطرفة والخطابات المتعصبة، تبدو مثل هذه المساحات الحوارية أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنها تسهم في تنمية التفكير النقدي وترسيخ ثقافة البحث والتحقق، وتمنح الشباب الأدوات المعرفية التي تساعدهم على تكوين رؤى أكثر توازنًا ووعيًا تجاه القضايا التي تواجههم في حياتهم اليومية.

 

بناء الإنسان:

إذا كان العقل بحاجة إلى المعرفة، فإن الإنسان يحتاج كذلك إلى ما يزكي روحه ويمنحها المعنى، ومن هذا المنطلق جاءت مبادرة "تزكية وعمارة" التي تسعى إلى تقديم رؤية متوازنة للحياة، تربط بين إصلاح النفس والإسهام الإيجابي في المجتمع.

تعكس الأنشطة التي تنظمها المبادرة اهتمامًا بإحياء الجانب الروحي لدى الإنسان المعاصر، بعيدًا عن الخطاب الوعظي التقليدي، فالهدف هنا ليس مجرد الحديث عن القيم، بل مساعدة الأفراد على تحويلها إلى ممارسة يومية تنعكس على سلوكهم وعلاقاتهم وإسهامهم في إعمار الأرض.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر، حيث يواجه الإنسان ضغوطًا متزايدة وتحديات متشابكة قد تدفعه إلى الشعور بالاغتراب أو فقدان البوصلة الأخلاقية والروحية. بالتالي، تحاول مبادرة "تزكية وعمارة" أن تقدم مقاربة مختلفة، تقوم على إعادة التوازن بين متطلبات الحياة المادية واحتياجات الإنسان المعنوية، انطلاقًا من فهم يعتبر أن النجاح الحقيقي لا يقاس بما يحققه الفرد من إنجازات فحسب، بل بقدرته على الحفاظ على قيمه واتزانه الداخلي أثناء سعيه لتحقيق تلك الإنجازات.

مواجهة التحديات:

يمتد دور طابة إلى المجال المجتمعي الأوسع من خلال مبادرات مثل "سند" والصالون الثقافي ومنتدى الشباب، ففي الوقت الذي تواجه فيه المجتمعات تحديات فكرية وثقافية متزايدة، تطرح المؤسسة نموذجًا يعتمد على الحوار والبحث العلمي والنقاش المفتوح.

فمبادرة "سند" تعمل على تفكيك الأفكار المتطرفة ومناقشة المفاهيم التي تُستخدم لتبريرها، بينما توفر الصالونات الثقافية ومنتديات الشباب مساحة تجمع الباحثين والمتخصصين والشباب حول قضايا المجتمع وتحولاته. وهنا لا يقتصر دور المؤسسة على تقديم المعرفة، بل يمتد إلى صناعة مساحات للنقاش الجاد وإنتاج فهم أكثر عمقًا للواقع.

ختاماً، يمكن القول إن ما يميز مؤسسة طابة ليس فقط المبادرات التي تطلقها، بل الرؤية التي تجمع بينها جميعًا؛ رؤية تقوم على بناء الإنسان من الداخل، وتنمية قدرته على التفكير، وتعزيز مسؤوليته تجاه مجتمعه. لذلك فإن أثرها الحقيقي يُقاس بما تتركه من وعي وفهم وتحول في حياة من تصل إليهم.

ولعل ما تشهده المؤسسة من حراك متواصل وبرامج متجددة، ومن بينها أسبوع مبادرات طابة الذي يجمع عددًا من مشروعاتها الفكرية والمجتمعية في تجربة واحدة، يعكس إيمانها بأن التنمية ليست حدثًا عابرًا، بل عملية مستمرة تستهدف الإنسان في عقله وروحه وعلاقته بمجتمعه، فبينما تتنافس مؤسسات كثيرة على لفت الأنظار، تواصل طابة رهانها الأهم بصناعة أثر يبقى بعد انتهاء الفعاليات وانطفاء الأضواء.

قد يهمك