بث تجريبي

تحت شعار "العدالة للجميع" .. مظاهرات مناهضة للنظام التركي في ستراسبورج

احتشد آلاف الأتراك المقيمين في الخارج وضحايا حملات التطهير والمدافعين عن حقوق الإنسان، الأربعاء، أمام مقر مجلس أوروبا في مدينة ستراسبورج الفرنسية، مطالبين المؤسسات الأوروبية المعنية بحقوق الإنسان بالانتقال من مرحلة الإدانة إلى اتخاذ خطوات عملية إزاء رفض تركيا تنفيذ أحكام بارزة صادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

وجاءت المظاهرة، التي نُظمت تحت اسم "مسيرة العدالة" السنوية الخامسة من قبل "منصة الأعمال السلمية"، بمشاركة أشخاص قدموا من عدة دول أوروبية إلى مقر مجلس أوروبا، الهيئة التي تضم 46 دولة وتشرف على تنفيذ الأحكام الصادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

العدالة للجميع

وقال المنظمون والمتحدثون إن عدد المشاركين تجاوز خمسة آلاف شخص، رفعوا لافتات تحمل شعار "العدالة للجميع"، وطالبوا بتنفيذ أحكام المحكمة الأوروبية المتعلقة برجل الأعمال والناشط المدني عثمان كافالا، والسياسي الكردي صلاح الدين دميرطاش، والمعلم السابق يوكسل يالتشين قايا.

وبدأت الفعاليات بتجمع صباحي أعقبه موكب ومسيرة نحو منصة الخطابات، ثم تسليم رسالة إلى مجلس أوروبا، إضافة إلى عرض مسرحي شبابي. وتضمن البرنامج كلمات لسياسيين وأكاديميين وناشطين وضحايا، إلى جانب رسائل مصورة وعروض موسيقية وهتافات وبيان ختامي.

وركز المشاركون على مطلب رئيسي تكرر طوال الفعالية، مفاده أن أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ملزمة وليست استشارية، وأن مجلس أوروبا مطالب باستخدام أدواته الرقابية والتنفيذية عندما تمتنع دولة عضو عن الالتزام بالأحكام القضائية.

وقال لاعب كرة السلة التركي الأمريكي السابق والناشط الحقوقي إنيس كانتر فريدوم أمام الحشود: "لقد سئمنا بيانات الإدانة. نريد أن نرى إجراءات ملموسة ضد من هم في السلطة في تركيا". وأكد أن المحتجين لا يستهدفون تركيا كدولة، مضيفاً: "مشكلتنا ليست مع تركيا ولا مع علمنا ولا مع شعبنا، بل مع النظام الحالي"، مشيراً إلى أن أمهات ومعلمين وأطفالاً ما زالوا ينتظرون المساعدة داخل السجون التركية.

وأوضح في تصريحات صحفية أن الهدف من التظاهرة هو إيصال رسالة إلى الضحايا داخل تركيا بأنهم لم يُنسوا، قائلاً: "خمسة آلاف شخص هنا يطالبون بشيء واحد فقط، وهو عودة العدالة إلى تركيا. لقد مللنا سماع الإدانات بينما يستمر الأبرياء في المعاناة داخل السجون".

ذكرى محاولة الانقلاب الفاشل

وجاءت الفعالية قبل أسابيع من الذكرى العاشرة لمحاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، التي أعقبتها حملة تطهير واسعة النطاق استهدفت مؤسسات الدولة وأشخاصاً اتهموا بالارتباط بحركة الخدمة المرتبطة بالداعية الراحل فتح الله جولن.

ووفقاً لأحدث بيانات وزارة العدل التركية، أُدين أكثر من 126 ألف شخص منذ عام 2016 بتهم تتعلق بالارتباط بالحركة، ولا يزال أكثر من 11 ألفاً منهم في السجون، بينما تستمر الإجراءات القضائية بحق أكثر من 24 ألف شخص، في حين يخضع نحو 58 ألفاً آخرين لتحقيقات مستمرة.

كما أشار المتحدثون إلى أن حالة الطوارئ التي فُرضت عقب محاولة الانقلاب واستمرت حتى يوليو/تموز 2018 أسفرت عن فصل أكثر من 130 ألف موظف حكومي من أعمالهم، بينهم 4156 قاضياً ومدعياً عاماً وأكثر من 24 ألف عسكري.

أزمة سيادة القانون

وربط منظمو التظاهرة بين تلك الإجراءات وبين ما وصفوه بأزمة أوسع تتعلق بسيادة القانون، قالوا إنها باتت تشمل سياسيين معارضين وشخصيات كردية ورؤساء بلديات منتخبين وصحفيين ومحامين وطلاباً ومعلمين ومنظمات مجتمع مدني.

وشكلت قضية يوكسل يالتشين قايا محوراً رئيسياً في الفعالية، إذ ذكّر المنظمون بالحكم الصادر عن الغرفة الكبرى للمحكمة الأوروبية عام 2023، والذي خلص إلى انتهاك حقوقه في المحاكمة العادلة وحرية تكوين الجمعيات ومبدأ "لا عقوبة بلا قانون".

وأوضح المنظمون أن يالتشين قايا كان مجرد معلم عادي، وأن أنشطة قانونية مثل إيداع الأموال في بنك مرخص أو قراءة صحف معينة أو العضوية في نقابات وجمعيات أو استخدام تطبيق مراسلة مشفر، اعتُبرت لاحقاً أدلة على "الإرهاب".

وكانت المحكمة الأوروبية قد اعتبرت أن الانتهاكات في هذه القضية تعكس مشكلة منهجية داخل النظام القضائي التركي، خصوصاً فيما يتعلق بالتعامل مع تطبيق "بايلوك"، الذي استخدمته المحاكم التركية دليلاً على الانتماء إلى حركة جولن.

وأشارت المحكمة آنذاك إلى وجود نحو 8500 طلب مماثل قيد النظر أمامها، فيما يؤكد مدافعون عن حقوق الإنسان أن عدد المتأثرين داخل تركيا أكبر بكثير بسبب استمرار آلاف القضايا المشابهة أمام المحاكم المحلية.

ورغم الحكم الأوروبي، أُعيدت إدانة يالتشين قايا أمام القضاء التركي، وهو ما اعتبره المحتجون دليلاً على رفض أنقرة معالجة المشكلات البنيوية التي حددتها المحكمة الأوروبية. ومن بين أبرز المتحدثين الأكاديمية الأمريكية صوفيا بانديا، التي قالت إنها قدمت من ولاية كاليفورنيا للتضامن مع ضحايا حملات التطهير في تركيا.

وقالت للحضور: "لقد جئت من كاليفورنيا لأقف معكم تضامناً مع ما تعرضتم له. لقد سُلبت منكم حقوقكم الإنسانية". وأضافت أن استقلال القضاء وسيادة القانون وُجدا لحماية الأقليات الدينية والعرقية وحقوق جميع المواطنين، معتبرة أن تركيا أخفقت في الوفاء بهذه الالتزامات رغم كونها من الأعضاء المؤسسين لمجلس أوروبا ومن أوائل الدول الموقعة على الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

قضية صلاح الدين دميرطاش

كما تطرقت إلى قضية صلاح الدين دميرطاش، الرئيس المشارك السابق لحزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للكرد، مشيرة إلى أن المحكمة الأوروبية قضت عام 2020 بأن استمرار احتجازه يخدم أهدافاً سياسية ودعت إلى الإفراج الفوري عنه، إلا أنه لا يزال في السجن.

وقالت: "يجب إطلاق سراحه، وكذلك جميع الأمهات والأطفال المحتجزين في السجون".

من جانبه، قال النائب البريطاني جيمس ماكلياري، عضو البرلمان عن حزب الديمقراطيين الأحرار، إن مبنى مجلس أوروبا القائم خلف المتظاهرين يرمز إلى وعد بحماية الحقوق ومنع الحكومات من التصرف دون قيود.

وأضاف: "نحن هنا اليوم لأن هذا الوعد يتم الإخلال به تجاه الشعب التركي".

وأشار إلى أن الأزمة لا تقتصر على قضايا المرتبطين بحركة غولن أو السجناء السياسيين، بل تمتد إلى اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو والضغوط المتزايدة على حزب الشعب الجمهوري المعارض.

وقال: "إن سجن أكرم إمام أوغلو، المنتخب من ملايين المواطنين، ليس اعتداءً على شخص واحد فقط، بل على كل ناخب منحه صوته". كما انتقد قرارات قضائية تتعلق بقيادة حزب الشعب الجمهوري، مؤكداً أن المحاكم لا ينبغي أن تحدد من يقود المعارضة السياسية.

رسائل مصورة

وشهدت الفعالية أيضاً رسائل مصورة من نواب أوروبيين، أكدوا فيها أن أحكام المحكمة الأوروبية يجب احترامها وتنفيذها، داعين إلى حماية الديمقراطية وحرية التعبير وسيادة القانون في تركيا. وتضمنت التظاهرة فعاليات ثقافية ورمزية، من بينها "جدار العدالة" وعروض فنية تناولت معاناة الأطفال الذين انفصلوا عن ذويهم بسبب حملات الاعتقال، بما في ذلك قصة الطفل أحمد برهان أتاش الذي توفي عام 2020 بعد إصابته بالسرطان وحرمانه من رؤية والده المسجون.

وأكد المشاركون في البيان الختامي أن أزمة سيادة القانون في تركيا لم تعد تخص فئة سياسية أو اجتماعية واحدة، بل أصبحت تمس شرائح واسعة من المجتمع، مطالبين مجلس أوروبا باستخدام صلاحياته لضمان التنفيذ الكامل والسريع لأحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

قد يهمك